لطالما ارتبط طول عمر الإنسان بعوامل نمط الحياة مثل التغذية الصحية، وممارسة الرياضة، والابتعاد عن التدخين والكحول، إضافة إلى البيئة المحيطة، غير أن دور الوراثة ظل محل جدل علمي لسنوات طويلة، قبل أن تعيد هذه الدراسة الحديثة تسليط الضوء عليه بشكل أكثر وضوحاً.
وأوضح الباحث بن شينهار، المعد الرئيسي للدراسة المنشورة في دورية ساينس العلمية، أن العمر لا يتحدد بعامل واحد فقط، بل هو نتاج تفاعل معقد بين الوراثة ونمط الحياة والعوامل العشوائية.
وأضاف أن الدراسة سعت إلى فصل تأثير الجينات عن باقي العوامل الأخرى، لتخلص إلى أن العوامل الوراثية تمثل نصف التأثير تقريباً، بينما يعود النصف الآخر إلى البيئة ونمط الحياة والظروف المختلفة.
وسعت الدراسة إلى معالجة خلل منهجي في أبحاث سابقة أُجريت على توائم في السويد والدنمارك خلال القرن التاسع عشر، إذ اعتمدت تلك الدراسات على عمر الوفاة فقط دون الأخذ في الاعتبار أسبابها. وأشار الباحثون إلى أن تجاهل الوفيات الناتجة عن الحوادث أو العنف أو الأمراض المعدية أدى إلى التقليل من تقدير دور الوراثة في تحديد العمر.
وبيّنت الدراسة أن معدلات الوفاة بسبب الأمراض المعدية في تلك الفترات كانت أعلى بعشر مرات مقارنة باليوم، وهو ما كان يخفي الأثر الحقيقي للعوامل الوراثية، خاصة قبل ظهور المضادات الحيوية الحديثة.
واعتمد الباحثون على بيانات أحدث من السويد شملت توائم تربوا معاً وآخرين نشأوا في بيئات منفصلة، ما أتاح مقارنة أوضح بين تأثير الوراثة والبيئة، وأظهرت النتائج أن انخفاض الوفيات الناتجة عن أسباب خارجية يؤدي إلى بروز التأثير الوراثي بشكل أكبر، مما يدعم فرضية أن الجينات تلعب دوراً محورياً في طول العمر.
وقال أوري ألون، أحد كبار معدّي الدراسة، إن دراسة التوائم المتطابقة وغير المتطابقة تُعد أداة مهمة لفهم الفروق بين تأثير الطبيعة والتربية، مشيراً إلى أن متوسط العمر يختلف عن صفات أخرى مثل الطول أو ضغط الدم، لأنه يتأثر بشكل مباشر بأسباب الوفاة الخارجية.
ويرى الباحثون أن التقليل السابق من دور العوامل الوراثية ربما أسهم في إضعاف الاهتمام البحثي بهذا المجال، وأكد شينهار أن نتائج الدراسة تُظهر بوضوح أن الإشارات الوراثية المرتبطة بطول العمر كانت موجودة، لكنها ظلت مخفية بسبب تشوش البيانات القديمة.
وأشار الباحثون إلى أن العوامل الوراثية قد تؤثر على العمر في اتجاهين متعاكسين، إذ يمكن لبعض الجينات أن تزيد من خطر الإصابة بالأمراض وتقصّر العمر، بينما توجد جينات أخرى تمنح حماية طبيعية وتساعد بعض الأشخاص على بلوغ أعمار متقدمة بصحة جيدة.
واختتمت الدراسة بالتأكيد على أن طول العمر يُعد سمة معقدة تتأثر بعدد كبير من الجينات، قد يصل إلى المئات أو الآلاف، إلى جانب العوامل البيئية ونمط الحياة، ما يفتح آفاقاً جديدة لفهم الشيخوخة وتعزيز الأبحاث المرتبطة بها مستقبلًا.

