ورأى مؤيدو الحظر، على غرار التجربة الأسترالية، أن الآباء يواجهون تحديًا كبيرًا في حماية أبنائهم من التأثيرات السلبية للمنصات الرقمية، مؤكدين أن تلك التطبيقات صُممت بطرق قد تشجع الإدمان الرقمي لدى الأطفال، في المقابل حذرت جهات معنية بحماية الطفولة، من بينها الجمعية الوطنية لمنع القسوة على الأطفال، من أن الحظر الكامل قد يدفع المراهقين إلى استخدام منصات أقل رقابة وأكثر خطورة.
ويشعر نحو نصف المراهقين في بريطانيا بأنهم مدمنون على وسائل التواصل الاجتماعي، وفق تحليل أجرته جامعة كامبريدج البريطانية.
ووصفت النتائج الأولية للدراسة التي أُجريت في الجامعة بأنها “مذهلة”، إذ قال الباحثون إنّ علاقة بعض الأشخاص بوسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تكون “شبيهة بالإدمان السلوكي”.
ويحلّل فريق كامبريدج البيانات الواردة من “دراسة جيل الألفية”، التي يجريها “مركز الدراسات الممتدة” في جامعة لندن.
وتتبع الدراسة، وفق وكالة الأنباء الألمانية، حياة أكثر من 18 ألف طفل ولدوا في بريطانيا خلال عامَي 2000 و2001، من أجل رسم خارطة لخلفيات الأطفال المولودين في مطلع القرن الحادي والعشرين.
وتوصّل الباحثون إلى أنّ 48 في المئة من بين 7022 شخصا شملهم الاستطلاع، إما وافقوا أو وافقوا بشدّة على عبارة “أعتقد أنني مدمن على وسائل التواصل الاجتماعي”.
وجُمعت البيانات خلال الفترة ما بين يناير عام 2018 ومارس عام 2019، عندما كان عمر المجموعة 17 عاماً.
وكان البرلمان الفرنسي قد حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عامًا بعد موجة من التحذيرات من خطورتها على الأطفال والمراهقين، في حين تدرس دولة مثل تركيا إمكانية الحظر. وكانت إندونيسيا آخر دولة قد اتخذت مثل هذا القرار.
وتشير دراسات متعددة إلى أن المراهقين يقضون ما بين ساعتين ونصف الساعة وأربع ساعات يوميا على هواتفهم الذكية.
وبدلا من إمضاء الوقت في الرياضة أو تعلم العزف أو إجراء أحاديث مباشرة مع الأصدقاء، يقضي المراهقون أوقاتهم في تصفح تيك توك وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي. وكلما زاد الوقت المخصص لوسائل التواصل، تقلص الوقت المتاح لأنشطة أخرى وعلى رأسها النوم.
ووفق دراسة أجرتها جمعية البحوث التربوية الألمانية، أفاد نحو 30 في المئة من المراهقين بأنهم غالبا ما يشعرون بالتعب صباحا بسبب استخدام الهاتف فترات طويلة ليلا.
كما أظهرت دراسة هولندية طويلة الأمد نشرت عام 2021 في مجلة كوميونيكيشن ريسيرش أن 28 في المئة من المراهقين أكدوا أن استخدام وسائل التواصل أثر سلبا على رفاههم النفسي، في حين أفاد 26 في المئة منهم بتحسن في شعورهم العام.
ويرى الخبراء أن الصورة أكثر تعقيدا، إذ تؤكد عالمة النفس المتخصصة في شؤون الشباب إيزابيل براندهورست، التي تقود فريقا بحثيا حول إدمان الإنترنت، أن هناك أدلة متزايدة على ارتباط الاستخدام المكثف أو الإشكالي لوسائل التواصل بانخفاض مستوى الصحة النفسية وزيادة مشكلات النوم والاكتئاب واضطرابات الأكل وإيذاء الذات.
بدوره، أوضح أستاذ علم نفس النمو في جامعة بادربورن الألمانية سفين ليندبرغ أن العلاقة بين استخدام وسائل التواصل والمشكلات النفسية قد درست إلى حد كبير، إلا أن التأثيرات المسجلة غالبا ما تكون محدودة وتطال فئات بعينها أكثر هشاشة.
وقال الأمر لا يمس الأغلبية، لكنه يؤثر على مجموعات ضعيفة محددة، وبالنسبة إلى هؤلاء يمثل مشكلة حقيقية.
وبحسب ليندبرغ يكون الأطفال والمراهقون الذين يعانون أصلا من أعباء نفسية أو اجتماعية أكثر عرضة للتأثر، فالشخص الذي يعاني من القلق أو الاكتئاب قد تتفاقم حالته بسبب الاستخدام المكثف لوسائل التواصل.
وتعد الفتيات من الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، نظرا للدور الكبير الذي تلعبه المقارنات الاجتماعية. فإذ كانت تلك الفتيات غير راضيات عن صورهن الذاتية، فقد تجعلهن وسائل التواصل أكثر تعاسة بسبب المقارنة المستمرة بالآخرين.
وتعرب براندهورست أيضا عن قلقها حيال الفتيات المراهقات، مشيرة إلى أن لديهن ميلا أعلى نسبيا للسلوكيات الإدمانية، لكنهن نادرا ما يظهرن في مراكز الاستشارة والعلاج، التي يهيمن عليها غالبا فتيان يحضرهم ذووهم بسبب الإفراط في ألعاب الكمبيوتر.
ووفق دراسة أجراها عام 2025 في ألمانيا باحثون بالمركز الطبي الجامعي في هامبورغ-إيبندورف وشركة التأمين الصحي داك ، يصنف نحو ربع المراهقين بين 10 و17 عاما مستخدمين مواظبين لوسائل التواصل، فيما يعتبر نحو 5 في المئة منهم مدمنين.
ورغم أن هذه النسبة تراجعت قليلا مقارنة بالعام السابق، فإنها لا تزال أعلى بكثير من مستويات ما قبل جائحة كورونا.
ويشير ليندبرغ إلى أن تعريف الإدمان يخضع لمعايير واضحة تنطبق على أنواع الإدمان الأخرى، فإذا كان الشخص يعاني لأنه لا يستطيع التصرف بشكل مختلف عما يريد وإذا كان الاستخدام يقيّده في عمله أو علاقاته الاجتماعية، فهنا نتحدث عن إدمان

