برشلونة- كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون في جامعة ميغيل هيرنانديز في إلتشي بإسبانيا، أن الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي، الذي يتسم بفقدان السيطرة والانخراط القهري، قد يزيد بشكل كبير من أعراض الاكتئاب لدى المراهقين الذين تقل أعمارهم عن 16 عامًا.
وعرّف الباحثون الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي بأنه الإفراط في التفاعل مع المنصات الإلكترونية، مما يُؤدي إلى عواقب سلبية على الأداء الشخصي أو الاجتماعي. وقد تبين أن المراهقين الذين يعانون من هذا النمط كانوا أكثر عرضةً بشكل ملحوظ لظهور أعراض اكتئابية متزايدة بعد عام واحد.
وأظهرت نتائج الدراسة، المنشورة في مجلة ساينتيفيك ريبورتس، أن العلاقة بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وأعراض الاكتئاب تتغير مع التقدم في العمر. فبينما يرتبط ارتفاع مستوى الاستخدام بزيادة أعراض الاكتئاب لدى المراهقين الأصغر سنًا، تضعف هذه العلاقة تدريجيًا وتختفي تقريبًا عند بلوغ سن السادسة عشرة.
وأجرى الدراسة كل من الباحثين ماريا بلانكير – كورتيس، وإستيفانيا إستيفيز، وخوسيه فرانسيسكو إستيفيز – غارسيا، ودانيال لوريت – إيرليس. وباستخدام بيانات من 2121 طالبًا وطالبةً في المرحلة الثانوية في منطقة بلنسية، درس الفريق البحثي كيفية تأثير جوانب مختلفة من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على تطور أعراض الاكتئاب بمرور الوقت. وقد أكمل المشاركون الاستبيان نفسه مرتين، يفصل بينهما عام واحد.
وقال دانيال لوريت – إيرليس، قائد الدراسة، “تشير نتائجنا إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الوقت الذي يقضيه المراهقون على وسائل التواصل الاجتماعي. فالعامل الأساسي هو ما نسميه الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي، حيث يفقد الشباب السيطرة على سلوكهم على الإنترنت ويشعرون بحاجة ملحة إلى البقاء على اتصال”.
ووجد الباحثون أن تأثير استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يختلف باختلاف مراحل النمو. ففي سن الثالثة عشرة، ارتبط الاستخدام المكثف لهذه الوسائل بزيادة أعراض الاكتئاب. إلا أنه مع تقدم المراهقين في السن، تضاءلت هذه العلاقة تدريجيًا وانعكست. وبحلول سن السادسة عشرة، لم يعد ازدياد وتيرة الاستخدام مرتبطًا بتفاقم الأعراض.
يشير هذا النمط إلى أن بداية المراهقة قد تمثل مرحلة عمرية حساسة للغاية، حيث لا يزال تنظيم المشاعر وضبط النفس في طور النضج.
وكشفت الدراسة أيضًا عن اختلافات بين الجنسين في ما يتعلق بالظهور على وسائل التواصل الاجتماعي. فبين الفتيات، ارتبط ارتفاع عدد المتابعين بزيادة أعراض الاكتئاب. في المقابل، بدا هذا الارتباط محايدًا أو وقائيًا بشكل طفيف لدى الفتيان.
ووفقًا للمؤلفة الرئيسية للدراسة ماريا بلانكير- كورتيس، قد يكون هذا التأثير مرتبطًا بآليات التحقق الاجتماعي والضغط الجمالي على وسائل التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، يؤكد الباحثون على ضرورة إجراء المزيد من الدراسات لتوضيح كيفية تأثير الظهور على الإنترنت على الصحة النفسية للمراهقين.
ومن النتائج الرئيسية الأخرى أن المراهقين الذين يعانون من هشاشة عاطفية هم أكثر عرضة للتأثر سلبًا بالاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي. وقد تنبأت أعراض الاكتئاب السابقة بشكل كبير بظهور أعراض مستقبلية، مما يشير إلى أن ديناميكيات وسائل التواصل الاجتماعي قد تُفاقم الصعوبات العاطفية القائمة.
ويؤكد الباحثون أن النتائج تُبرز أهمية الإلمام الرقمي والتوعية المبكرة حول استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. فتعليم المراهقين كيفية إدارة تعرضهم للإنترنت، وحماية خصوصيتهم، والحفاظ على هويتهم الرقمية، من شأنه أن يُسهم في الحد من المخاطر المحتملة.
وتابعت بلانكير – كورتيس إن إعطاء المراهقين هواتف ذكية دون تعليمهم كيفية استخدامها بمسؤولية أمر محفوف بالمخاطر. فنحن نعلم أبناءنا قيادة السيارات قبل أن نشتري لهم سيارة، وينبغي لنا أن نتبع المنطق نفسه مع التكنولوجيا الرقمية.
في الوقت نفسه، يؤكد الباحثون أن المسؤولية لا تقع على عاتق الأسر أو المستخدمين الشباب فقط، إذ تلعب منصات التواصل الاجتماعي دورا محوريا أيضا.
وأشار لوريت – إيرليس إلى أن هذه الشركات بالغة النفوذ، تتمتع بقدرة هائلة على التأثير في التصور الاجتماعي والتصور الذاتي، مضيفا أن الخوارزميات تُشكّل تجربة المستخدمين على الإنترنت، ولذا تبرز الحاجة إلى المزيد من الشفافية.
وخلص الباحثون عموما إلى أن حماية المراهقين على الإنترنت تتطلب مزيجًا من التوعية والإشراف والدعم النفسي، فضلا عن تصميم منصات مسؤولة.
يتصاعد الجدل عالميا حول ما إذا كانت منصات مثل تيك توك وإنستغرام وغيرهما تمثل خطرا يعادل خطر إدمان الكحول أو التبغ. وبات هذا السؤال مطروحا أمام المحاكم في الولايات المتحدة في قضايا تستهدف شركتي ميتا وغوغل، كما تضع تيك توك تحت ضغط متزايد في الاتحاد الأوروبي.
لطالما انشغل الباحثون بدراسة تأثير قضاء الأطفال والمراهقين ساعات طويلة في تصفح لا ينتهي لمواقع التواصل الاجتماعي.
وتشير دراسات متعددة إلى أن المراهقين يقضون ما بين 2.5 و4 ساعات يوميا على هواتفهم الذكية.
وبدلا من إمضاء الوقت في الرياضة أو تعلم العزف أو إجراء أحاديث مباشرة مع الأصدقاء، يقضي المراهقون أوقاتهم في تصفح التيك توك وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي. وكلما زاد الوقت المخصص لوسائل التواصل تقلص الوقت المتاح لأنشطة أخرى وعلى رأسها النوم.
ووفق دراسة أجرتها جمعية البحوث التربوية الألمانية، أفاد نحو 30 في المئة من المراهقين بأنهم غالبا ما يشعرون بالتعب صباحا بسبب استخدام الهاتف فترات طويلة ليلا.
كما أظهرت دراسة هولندية طويلة الأمد نشرت عام 2021 في مجلة “كوميونيكيشن ريسيرش” أن 28 في المئة من المراهقين أكدوا أن استخدام وسائل التواصل أثر سلبا على رفاههم النفسي، في حين أفاد 26 في المئة بتحسن في شعورهم العام.
غير أن الصورة أكثر تعقيدا، إذ تؤكد عالمة النفس المتخصصة في شؤون الشباب إيزابيل براندهورست، التي تقود فريقا بحثيا حول إدمان الإنترنت، أن هناك أدلة متزايدة على ارتباط الاستخدام المكثف أو الإشكالي لوسائل التواصل بانخفاض مستوى الصحة النفسية وزيادة مشكلات النوم والاكتئاب واضطرابات الأكل وإيذاء الذات.

