والذاكرة العاملة هي قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات المهمة ومعالجتها مؤقتًا، بما يساعد على إتمام المهمة في المستقبل القريب، فعندما ينجز البشر العديد من المهام اليومية، بدءًا من القيادة ووصولًا إلى إنجاز الأعمال المنزلية والمهام الوظيفية، يعتمدون بدرجة كبيرة على الذاكرة العاملة.
ويمكن استخدام هذه المعلومات المخزنة مؤقتًا لاتخاذ القرارات والتخطيط للإجراءات اللاحقة، مثل تحديد الممر الذي ينبغي التوجه إليه بعد ذلك في السوبرماركت أو اختيار الاتجاه الذي يجب الانعطاف إليه أثناء القيادة.
وأجرى باحثون في جامعة تكساس بأوسطن دراسة هدفت إلى فهم كيفية استجابة الأشخاص للمشتتات أثناء إنجاز المهام. وأظهرت نتائج الدراسة، التي نُشرت في مجلة كومينيكيشن بسيكولوجي، أن الذاكرة العاملة تتمتع بقدر كبير من المرونة، وأنها تستطيع إعادة ترتيب أولويات المعلومات التي تحتفظ بها مؤقتًا بسرعة بعد حدوث أي انقطاع أو تشتيت.
والعامل الأساسي الذي يؤثر في التخصيص الديناميكي للموارد المعرفية وتحديثها هو حالة الفرد بالنسبة إلى أهدافه، وفق ما كتبه زياو تشانغ وجارود أ. لويس-بيكوك في ورقتهما البحثية.
وقال الباحثان على سبيل المثال، عند الاعتماد على قائمة تسوق ذهنية، فإن قرار تحديد العنصر الذي ينبغي إعطاؤه الأولوية يعتمد إلى حد كبير على مكان وجود الشخص. وفي مواقف الحياة الواقعية تتغير حالة الفرد باستمرار، وغالبًا ما تتعرض للاضطراب بسبب عوامل تشتيت عاجلة أو انقطاعات مهمة. ومع ذلك لا يزال من غير الواضح كيف يتكيف الناس مع هذه الاضطرابات، لأن الدراسات التي تبحث في قدرة الذاكرة العاملة على مقاومة التشتيت تفترض عادةً أن حالة الفرد ثابتة ولا تتغير.
ولدراسة تأثير عوامل التشتيت في عمليات الذاكرة العاملة، أجرى تشانغ ولويس-بيكوك وزملاؤهما سلسلة من التجارب شملت 50 مشاركًا بالغًا.
وطُلب من المشاركين لعب نسخة من لعبة الأركيد الشهيرة (الثعبان)، التي اكتسبت انتشارًا واسعًا بعد أن طُرحت على هواتف نوكيا المحمولة الأولى.
وتتطلب اللعبة من اللاعبين استخدام أسهم لوحة المفاتيح للتحكم في حركة الثعبان على الشاشة، وتوجيهه نحو أهداف محددة (أي التفاحات) لابتلاعها. ويؤدي تناول التفاحات إلى زيادة طول الثعبان، مما يجعل التنقل داخل البيئة المحددة على الشاشة أكثر صعوبة.
وفي النسخة التي استخدمها الباحثون من اللعبة كان يتعين على اللاعبين حفظ مواقع التفاحات، إذ لم تكن تظهر على الشاشة إلا لفترة وجيزة. إضافةً إلى ذلك، وخلال بعض الجولات التجريبية، كان يظهر فجأة هدف غير متوقع على الشاشة، يتمثل في ثمرة أخرى صالحة للأكل (أي عنبة)، وكان يتعين على المشاركين توجيه الثعبان نحوها أولًا قبل الانتقال إلى التفاحة التالية.
تحكّم المشاركون في ثعبان داخل ساحة مستطيلة للعثور على مواقع التفاحات التي سبق لهم حفظها وكسب النقاط. وقد تطلّبت كل جولة حفظ موقع تفاحة واحدة أو اثنتين أو أربع تفاحات، ثم الاعتماد على الذاكرة لتوجيه الثعبان والتقاط جميع التفاحات. وفي نصف الجولات ظهرت عوامل تشتيت تمثلت في الظهور المفاجئ لأهداف إضافية (حبّات عنب)، ما أجبر المشاركين على الانحراف عن خطتهم الأصلية وجمع العنب أولًا قبل استئناف البحث عن التفاحات المخفية.
حلّل تشانغ ولويس-بيكوك وزملاؤهما أداء المشاركين في لعبة الثعبان في حالتي وجود عوامل التشتيت وغيابها. كما سعوا إلى معرفة ما يحدث للذكريات المرتبطة بمواقع التفاحات القريبة بعد ظهور المثيرات غير المتوقعة (أي حبّات العنب) على الشاشة.
وكتب الباحثان في غياب عوامل التشتيت، أعطى المشاركون الأولوية للأهداف القريبة، مستخدمين القرب كإشارة لتخصيص موارد الذاكرة. وعندما أدت عوامل التشتيت إلى تغيير موقع الفرد، أعاد المشاركون توزيع هذه الموارد بمرونة لإعطاء الأولوية للأهداف الأقرب إلى الموقع المحدَّث. وقد انخفضت هذه المرونة مع زيادة عبء الذاكرة، والأهم من ذلك أن الاعتماد على الذاكرة العاملة بعد حدوث التشتيت كان يقتصر على عنصر واحد فقط، بغض النظر عن حجم العبء المعرفي.
ومن المثير للاهتمام أن الفريق لاحظ أنه بعد حدوث عامل تشتيت، كان المشاركون عادةً يوجّهون تركيزهم نحو عنصر واحد فقط من المعلومات المخزنة في الذاكرة، حتى عندما كانوا قد حفظوا في البداية مواقع عدة تفاحات. وبعد جمع حبّات العنب التي ظهرت بشكل غير متوقع على الشاشة، أعادوا تنظيم ذاكرتهم العاملة بحيث تُعطى الأولوية للتفاحة المحفوظة التي كانت الأقرب إلى موقع الثعبان الجديد على الشاشة.
وتشير نتائج هذه الدراسة إلى أنه عندما يُنجز الأشخاص مهمة ما ويحدث أمر مشتِّت، فإنهم يغيّرون أولوياتهم بشكل ديناميكي نحو المعلومات الأكثر ارتباطًا وضرورة في اللحظة الراهنة. وهذا يسمح لهم بالتعامل مع عامل التشتيت دون أن يفقدوا التركيز على أهدافهم.
وبحسب الباحثين، تكشف هذه النتائج عن إعادة توزيع ديناميكية للذاكرة العاملة بوصفها آلية تُمكّن من تحقيق قدرة مرنة، ولكنها محدودة، على مقاومة التشتيت في البيئات المتغيرة.
ويمكن للدراسات المستقبلية أن تبني على ملاحظات الفريق وتحاول الكشف عن العمليات العصبية المحددة التي تقف وراء إعادة تنظيم المعلومات المخزنة مؤقتًا بعد حدوث عوامل التشتيت. وفي نهاية المطاف، قد يساعد ذلك على تحسين النماذج الحالية للذاكرة العاملة، وهو ما يمكن أن يسهم أيضًا في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي أو غيرها من الأنظمة الحاسوبية المستوحاة من عمل الدماغ.

