سيرة كاهنٍ حمل الإيمان الأب القس أفرام لحدو!
مرسل: الجمعة أغسطس 07, 2026 4:44 pm
الأب القس أفرام لحدو


سيرة كاهنٍ حمل الإيمان، وخدم الإنسان، وحفظ ذاكرة شعبه؛
هناك رجال لا تنتهي حياتهم برحيلهم، لأن ما يتركونه خلفهم من محبة وخدمة وإيمان يبقى حيًا في ذاكرة الناس. ومن هؤلاء يأتي الأب القس أفرام لحدو، الذي شكّلت حياته صفحات متعاقبة من الإيمان والعمل والتعليم والخدمة الكنسية والاجتماعية، متنقلًا بين أزخ والحسكة وديريك، ثم السويد، حاملًا معه في كل محطة من محطات حياته روح الإنسان السرياني المرتبط بكنيسته وشعبه وتراثه.
لم تكن حياة الأب أفرام مجرد مسيرة شخصية امتدت من عام 1922 حتى عام 1989، وإنما كانت جزءًا من تاريخ مرحلة حافلة بالأحداث والتحولات التي عاشها أبناء الشعب السرياني، من الهجرة والنزوح إلى الاستقرار في الجزيرة السورية، ثم الهجرة إلى بلدان الاغتراب. وفي خضم هذه التحولات، بقيت الكنيسة والتعليم والخدمة الاجتماعية ركائز أساسية في حياته.
أزخ.. المولد والجذور الأولى:
وُلد الأب القس أفرام لحدو في مدينة أزخ عام 1922، ونشأ في بيئتها التي ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالوجود السرياني، وبما تحمله من تاريخ وإرث ديني وثقافي واجتماعي.
وفي عام 1930، انتقل مع أسرته إلى مدينة الحسكة، حيث تلقى تعليمه في مدرسة السريان. وهناك درس اللغة السريانية والعربية والفرنسية، وحصل على الشهادة الابتدائية.
وتكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة في قراءة سيرته، إذ إن تعلمه المبكر للغات الثلاث أسهم في بناء شخصيته الثقافية، وأصبح لاحقًا جزءًا من أدواته في مسيرته التعليمية والكنسية. فقد جمع في تكوينه بين اللغة السريانية التي تمثل عمق هويته وتراثه، والعربية لغة المجتمع الذي عاش فيه، والفرنسية التي أتاحت له مجالًا إضافيًا في التعليم والثقافة.
بعد إتمام دراسته، عاد إلى أزخ مع والديه، حيث عاشت الأسرة حياة مرتبطة بالأرض والعمل الزراعي، قبل أن تفرض الظروف التاريخية في المنطقة واقعًا جديدًا على الكثير من العائلات المسيحية.
من أزخ إلى ديريك.. رحلة النزوح والاستقرار:
مع بدء موجات الهجرة المسيحية من تركيا، نزح الأب أفرام إلى ديريك، التي أصبحت لاحقًا إحدى المحطات الأساسية في حياته، بل المدينة التي ارتبط بها اسمه ارتباطًا وثيقًا من خلال سنوات طويلة من التعليم والخدمة الكنسية والاجتماعية.
وفي عام 1943، التحق بالخدمة العسكرية الفرنسية، وبقي فيها حتى عام 1946، وهو العام الذي شهد استقلال سورية، حيث سُرّح من الخدمة.
بعد انتهاء خدمته العسكرية، استقر مع أسرته في ديريك، في قرية عين العريضة، ليبدأ مرحلة جديدة من حياته، كانت تمهيدًا لمسيرة طويلة في خدمة الكنيسة والمجتمع.
وهكذا انتقلت حياته من مرحلة الطفولة والتعلم إلى مرحلة الشباب وتحمل المسؤولية، ثم إلى مرحلة الخدمة التي ستصبح لاحقًا عنوانًا أساسيًا لسيرته.
الكهنوت.. حين تحولت الحياة إلى رسالة
كان عام 1963 محطة مفصلية في حياة أفرام لحدو، ففيه رُسم كاهنًا لكنيسة السيدة العذراء ( أم الميرون) في ديريك على يد المثلث الرحمات نيافة المطران مار قرياقس، مطران أبرشية الجزيرة والفرات.
ومنذ ذلك التاريخ، دخل الأب أفرام مرحلة جديدة أصبح فيها الكهنوت رسالته الأساسية، وأصبحت خدمة المؤمنين والكنيسة جزءًا أصيلًا من حياته.
والكهنوت في حياة الأب أفرام لم يكن لقبًا أو مركزًا، بل كان مسؤولية روحية واجتماعية. فقد كان الكاهن الذي يشارك أبناء رعيته أفراحهم وأحزانهم، ويقف إلى جانبهم في ظروف الحياة المختلفة، ويعمل على رعاية شؤونهم الروحية والاجتماعية.
وكانت الكنيسة بالنسبة إليه أكثر من مكان للعبادة؛ كانت بيتًا يجتمع فيه أبناء المجتمع، وفضاءً تتعزز فيه الروابط الروحية والاجتماعية، ومكانًا تُصان فيه الذاكرة والهوية والتقاليد.
المعلّم والكاهن.. رسالة واحدة في وجهين
إلى جانب خدمته الكهنوتية، كان للأب أفرام دور بارز في مجال التعليم.
ففي عام 1967، عُيّن مدرسًا لمادتي اللغة الفرنسية والديانة المسيحية في ثانوية يوسف العظمة في ديريك.
وقد جمع في هذه المهمة بين المعرفة والتعليم من جهة، والإيمان والتربية الروحية من جهة أخرى. ولم يكن من السهل الفصل بين شخصية المعلم والكاهن في حياته، فكلاهما كان يصب في هدف واحد: بناء الإنسان.
فالمعلم ينقل المعرفة، والكاهن يرعى الروح، وكلاهما يسهم في تكوين شخصية متوازنة قادرة على تحمل مسؤولياتها تجاه نفسها ومجتمعها.
ومن هنا يمكن النظر إلى سنواته في التعليم باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لرسالته الكنسية؛ فقد حمل إلى المدرسة خبرته وثقافته وإيمانه، وسعى إلى أن يكون التعليم وسيلة للارتقاء بالإنسان.
من التعليم إلى رئاسة المجلس الملي:
وفي عام 1978، توقف الأب القس أفرام لحدو عن التدريس، ليتفرغ لخدمة أخرى، إذ تولى رئاسة المجلس الملي للكنيسة في ديريك.
وكان انتقاله من ميدان التعليم إلى رئاسة المجلس الملي استمرارًا لمسيرته في تحمل المسؤولية العامة. فقد كان طوال حياته قريبًا من أبناء مجتمعه، مدركًا لأهمية التعاون بين الكنيسة وأبنائها في مواجهة الظروف المختلفة والحفاظ على تماسك المجتمع.
وفي هذه المرحلة، اتسعت دائرة مسؤولياته لتشمل جوانب كنسية واجتماعية، الأمر الذي تطلب منه حضورًا دائمًا ومتابعة لشؤون أبناء الرعية، إضافة إلى انخراطه في المجتمع مع بقية الطوائف، ومن مختلف الملل، من الأكراد والعرب وغيرهم.
وكان أسلوبه معروفًا في المجالس، كما كان يتميز بسرده القصص والحكايات التي تحمل في طياتها العِبر والفوائد، والتي كان يستفيد منها أفراد المجتمع ويتناقلونها لما فيها من معانٍ ودروس.
وبذلك أصبح الأب أفرام واحدًا من الشخصيات التي جمعت في مسيرتها بين المذبح والمدرسة والمجتمع؛ خدم في الكنيسة، وعلّم في المدرسة، وتحمّل مسؤولية العمل الملي والاجتماعي.
السويد.. الهجرة التي لم توقف مسيرة الخدمة.
في 10 تموز/يوليو 1987، انتقل الأب القس أفرام لحدو إلى السويد:
كان انتقاله إلى السويد فصلًا جديدًا في حياته، لكنه لم يكن ابتعادًا عن رسالته، بل حمل معه خدمته الكنسية إلى أرض جديدة، حيث عُيّن كاهنًا لكنيسة مار برصوم السريانية في مدينة هوفشو.
وهنا برز وجه آخر من وجوه رسالته؛ فالمجتمع السرياني في بلاد الاغتراب كان في حاجة إلى من يرافقه روحيًا واجتماعيًا، ويحافظ على صلته بالكنيسة وتراثه وهويته.
وقد خدم الأب أفرام رعية مار برصوم، واهتم بشؤون أبنائها الروحية والاجتماعية، واستمر في أداء واجبه الكهنوتي، مؤكدًا أن الهجرة لا تعني انقطاع الإنسان عن جذوره، وأن الكنيسة تستطيع أن تكون جسرًا يصل الإنسان بماضيه وتراثه وإيمانه، أينما حل وارتحل.
ولم يمهله العمر طويلًا في السويد، إلا أن الفترة القصيرة التي قضاها هناك كانت كافية ليترك أثرًا في نفوس أبناء الرعية.
رحيل مفاجئ.. وحزن في قلوب المؤمنين:
في 4 كانون الثاني/يناير 1989، انتقل الأب القس أفرام لحدو إلى الأخدار السماوية، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والخدمة.
وجاء خبر نياحته بصورة مفاجئة، فأحدث حزنًا وأسى عميقين في نفوس المؤمنين وكل من عرفه أو سمع عنه.
وقد نقلت جريدة نهرو سريويو في السويد خبر نياحته، وأشارت إلى عمق الحزن الذي أصاب قلوب المؤمنين والمجتمع السرياني عمومًا، حيث سارع أبناء الرعية إلى مدينة هوفشو لتقديم التعازي إلى المجلس الملي للكنيسة وإلى ذوي الفقيد.
وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون الحزن حزن الأسرة وحدها، بل يصبح حزنًا جماعيًا عندما يرحل شخص ارتبط اسمه بخدمة الناس والكنيسة والمجتمع.
وداع يليق برجل عاش خادمًا:
وفي صبيحة 31 كانون الثاني/يناير 1989، احتشد جمهور غفير من المؤمنين في كنيسة الأبرشية السريانية في سودرتاليا، وفي قاعاتها الداخلية وساحاتها الخارجية، لإلقاء النظرة الأخيرة على الفقيد وتوديعه إلى مثواه الأخير.
كان المشهد شهادة صامتة على المحبة والمكانة اللتين احتفظ بهما الأب أفرام في قلوب أبناء شعبه.
فقد جاء المؤمنون من أجل الوداع، ومن أجل الصلاة، ومن أجل أن يقولوا للكاهن الذي خدمهم سنوات طويلة: إن خدمتك لم تذهب سدى، وإن حضورك ترك أثرًا سيبقى في الذاكرة.
وكانت مراسم التشييع والوداع محطة أخيرة في رحلة رجل تنقل بين أكثر من مكان، لكنه ظل يحمل في داخله شيئًا واحدًا لم يتغير: الانتماء إلى الكنيسة وخدمة الإنسان والمجتمع.
الأب أفرام في ذاكرة أبنائه وشعبه:
إن قيمة الشخصيات التي خدمت المجتمع لا تقاس فقط بعدد السنوات التي عاشتها، بل بما تركته من أثر في نفوس الناس.
والأب القس أفرام لحدو عاش مراحل متعددة من تاريخ مجتمعه، وشهد التحولات التي مر بها أبناء شعبه، من أزخ إلى الجزيرة السورية، ومن ديريك إلى السويد.
وفي كل محطة ترك شيئًا من ذاته:
ترك في المدرسة أثر المعلّم،
وفي الكنيسة أثر الكاهن والخادم،
وفي المجتمع أثر المسؤول الذي تحمّل الأمانة،
وفي قلوب المؤمنين أثر الإنسان القريب منهم.
ولهذا فإن استذكار سيرته اليوم ليس مجرد استعادة لتاريخ شخصي، وإنما هو استعادة لجزء من تاريخ مجتمع عاش ظروفًا صعبة، وتمسك رغم ذلك بإيمانه وهويته وكنيسته.
سيرة تختصر معنى الخدمة
عند قراءة مسيرة الأب القس أفرام لحدو، يمكن ملاحظة الخيط الذي جمع مختلف مراحل حياته:
الخدمة:
فقد خدم في التعليم، وخدم في الكنيسة، وخدم في المجال الاجتماعي، ثم حمل هذه الرسالة معه إلى السويد.
ولم تكن هذه الخدمات منفصلة عن بعضها؛ فكل واحدة منها كانت امتدادًا للأخرى. فالتعليم عنده كان خدمة للإنسان، والكهنوت كان خدمة للروح، والعمل الملي كان خدمة للمجتمع، والاهتمام بالرعية كان تعبيرًا عن محبة الإنسان لأخيه الإنسان.
ومن هنا، فإن الإرث الحقيقي الذي تركه لم يكن ماديًا، وإنما كان إرثًا من الإيمان والالتزام والمسؤولية والمحبة.
كلمة وفاء:
بعد عقود من رحيله، تبقى سيرة الأب القس أفرام لحدو جديرة بالتوثيق، لأن الذاكرة الجماعية لا تحفظ أسماء من خدموا أنفسهم، وإنما تحفظ أسماء الذين جعلوا من حياتهم مساحة للعطاء.
لقد عاش الأب أفرام في زمن شهد تحولات كبيرة، وتنقل بين أماكن متعددة، واختبر الهجرة والاستقرار والعمل والتعليم والكهنوت والاغتراب، لكنه ظل وفيًا لرسالته.
ومن أزخ، حيث وُلد وترعرع، إلى الحسكة حيث تلقى تعليمه، ومن ديريك حيث أمضى سنوات طويلة في التعليم والخدمة الكنسية والاجتماعية، إلى السويد حيث واصل رسالته في كنيسة مار برصوم في هوفشو، تبدو حياته كأنها رحلة طويلة من الجذور إلى الاغتراب، ومن التعليم إلى الكهنوت، ومن خدمة المجتمع إلى خدمة الرعية في المهجر.
وإذا كان الموت قد وضع حدًا لمسيرته الجسدية في الرابع من كانون الاول عام 1989، فإن أثره لم ينتهِ بذلك اليوم؛ لأن الذين يخدمون الناس بمحبة يتركون في ذاكرتهم ما هو أبقى من العمر.
إن تخليد ذكرى الأب القس أفرام لحدو هو تخليد لقيمة الخدمة ذاتها، وتكريم لجيل من الرجال الذين حملوا مسؤولية الكنيسة والمجتمع في مراحل صعبة، وساهموا في الحفاظ على الإيمان والتراث والهوية.
رحم الله الأب القس أفرام لحدو، وأسكنه الأخدار السماوية، وجعل ذكره طيبًا ومؤبدًا بين أبناء شعبه وكنيسته، وليبقَ ما قدّمه من خدمة وإيمان وعطاء شاهدًا على حياةٍ عاشها من أجل الله والإنسان.
المصدر:
المعلومات الواردة في هذه السيرة منقولة عن الشماس إسحق، نجل الأب القس أفرام لحدو، والتي حصل عليها من خلال إدارة جريدة نهرو سريويو في السويد، وفق ما ورد في المادة الأصلية.
الشكر الجزيل لـ ابن عمتي الغالي فهد حنا شيعا (منقول عن صفحته) على سيرة مختصرة عن والدي المرحوم الاب القس افرام.


سيرة كاهنٍ حمل الإيمان، وخدم الإنسان، وحفظ ذاكرة شعبه؛
هناك رجال لا تنتهي حياتهم برحيلهم، لأن ما يتركونه خلفهم من محبة وخدمة وإيمان يبقى حيًا في ذاكرة الناس. ومن هؤلاء يأتي الأب القس أفرام لحدو، الذي شكّلت حياته صفحات متعاقبة من الإيمان والعمل والتعليم والخدمة الكنسية والاجتماعية، متنقلًا بين أزخ والحسكة وديريك، ثم السويد، حاملًا معه في كل محطة من محطات حياته روح الإنسان السرياني المرتبط بكنيسته وشعبه وتراثه.
لم تكن حياة الأب أفرام مجرد مسيرة شخصية امتدت من عام 1922 حتى عام 1989، وإنما كانت جزءًا من تاريخ مرحلة حافلة بالأحداث والتحولات التي عاشها أبناء الشعب السرياني، من الهجرة والنزوح إلى الاستقرار في الجزيرة السورية، ثم الهجرة إلى بلدان الاغتراب. وفي خضم هذه التحولات، بقيت الكنيسة والتعليم والخدمة الاجتماعية ركائز أساسية في حياته.
أزخ.. المولد والجذور الأولى:
وُلد الأب القس أفرام لحدو في مدينة أزخ عام 1922، ونشأ في بيئتها التي ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالوجود السرياني، وبما تحمله من تاريخ وإرث ديني وثقافي واجتماعي.
وفي عام 1930، انتقل مع أسرته إلى مدينة الحسكة، حيث تلقى تعليمه في مدرسة السريان. وهناك درس اللغة السريانية والعربية والفرنسية، وحصل على الشهادة الابتدائية.
وتكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة في قراءة سيرته، إذ إن تعلمه المبكر للغات الثلاث أسهم في بناء شخصيته الثقافية، وأصبح لاحقًا جزءًا من أدواته في مسيرته التعليمية والكنسية. فقد جمع في تكوينه بين اللغة السريانية التي تمثل عمق هويته وتراثه، والعربية لغة المجتمع الذي عاش فيه، والفرنسية التي أتاحت له مجالًا إضافيًا في التعليم والثقافة.
بعد إتمام دراسته، عاد إلى أزخ مع والديه، حيث عاشت الأسرة حياة مرتبطة بالأرض والعمل الزراعي، قبل أن تفرض الظروف التاريخية في المنطقة واقعًا جديدًا على الكثير من العائلات المسيحية.
من أزخ إلى ديريك.. رحلة النزوح والاستقرار:
مع بدء موجات الهجرة المسيحية من تركيا، نزح الأب أفرام إلى ديريك، التي أصبحت لاحقًا إحدى المحطات الأساسية في حياته، بل المدينة التي ارتبط بها اسمه ارتباطًا وثيقًا من خلال سنوات طويلة من التعليم والخدمة الكنسية والاجتماعية.
وفي عام 1943، التحق بالخدمة العسكرية الفرنسية، وبقي فيها حتى عام 1946، وهو العام الذي شهد استقلال سورية، حيث سُرّح من الخدمة.
بعد انتهاء خدمته العسكرية، استقر مع أسرته في ديريك، في قرية عين العريضة، ليبدأ مرحلة جديدة من حياته، كانت تمهيدًا لمسيرة طويلة في خدمة الكنيسة والمجتمع.
وهكذا انتقلت حياته من مرحلة الطفولة والتعلم إلى مرحلة الشباب وتحمل المسؤولية، ثم إلى مرحلة الخدمة التي ستصبح لاحقًا عنوانًا أساسيًا لسيرته.
الكهنوت.. حين تحولت الحياة إلى رسالة
كان عام 1963 محطة مفصلية في حياة أفرام لحدو، ففيه رُسم كاهنًا لكنيسة السيدة العذراء ( أم الميرون) في ديريك على يد المثلث الرحمات نيافة المطران مار قرياقس، مطران أبرشية الجزيرة والفرات.
ومنذ ذلك التاريخ، دخل الأب أفرام مرحلة جديدة أصبح فيها الكهنوت رسالته الأساسية، وأصبحت خدمة المؤمنين والكنيسة جزءًا أصيلًا من حياته.
والكهنوت في حياة الأب أفرام لم يكن لقبًا أو مركزًا، بل كان مسؤولية روحية واجتماعية. فقد كان الكاهن الذي يشارك أبناء رعيته أفراحهم وأحزانهم، ويقف إلى جانبهم في ظروف الحياة المختلفة، ويعمل على رعاية شؤونهم الروحية والاجتماعية.
وكانت الكنيسة بالنسبة إليه أكثر من مكان للعبادة؛ كانت بيتًا يجتمع فيه أبناء المجتمع، وفضاءً تتعزز فيه الروابط الروحية والاجتماعية، ومكانًا تُصان فيه الذاكرة والهوية والتقاليد.
المعلّم والكاهن.. رسالة واحدة في وجهين
إلى جانب خدمته الكهنوتية، كان للأب أفرام دور بارز في مجال التعليم.
ففي عام 1967، عُيّن مدرسًا لمادتي اللغة الفرنسية والديانة المسيحية في ثانوية يوسف العظمة في ديريك.
وقد جمع في هذه المهمة بين المعرفة والتعليم من جهة، والإيمان والتربية الروحية من جهة أخرى. ولم يكن من السهل الفصل بين شخصية المعلم والكاهن في حياته، فكلاهما كان يصب في هدف واحد: بناء الإنسان.
فالمعلم ينقل المعرفة، والكاهن يرعى الروح، وكلاهما يسهم في تكوين شخصية متوازنة قادرة على تحمل مسؤولياتها تجاه نفسها ومجتمعها.
ومن هنا يمكن النظر إلى سنواته في التعليم باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لرسالته الكنسية؛ فقد حمل إلى المدرسة خبرته وثقافته وإيمانه، وسعى إلى أن يكون التعليم وسيلة للارتقاء بالإنسان.
من التعليم إلى رئاسة المجلس الملي:
وفي عام 1978، توقف الأب القس أفرام لحدو عن التدريس، ليتفرغ لخدمة أخرى، إذ تولى رئاسة المجلس الملي للكنيسة في ديريك.
وكان انتقاله من ميدان التعليم إلى رئاسة المجلس الملي استمرارًا لمسيرته في تحمل المسؤولية العامة. فقد كان طوال حياته قريبًا من أبناء مجتمعه، مدركًا لأهمية التعاون بين الكنيسة وأبنائها في مواجهة الظروف المختلفة والحفاظ على تماسك المجتمع.
وفي هذه المرحلة، اتسعت دائرة مسؤولياته لتشمل جوانب كنسية واجتماعية، الأمر الذي تطلب منه حضورًا دائمًا ومتابعة لشؤون أبناء الرعية، إضافة إلى انخراطه في المجتمع مع بقية الطوائف، ومن مختلف الملل، من الأكراد والعرب وغيرهم.
وكان أسلوبه معروفًا في المجالس، كما كان يتميز بسرده القصص والحكايات التي تحمل في طياتها العِبر والفوائد، والتي كان يستفيد منها أفراد المجتمع ويتناقلونها لما فيها من معانٍ ودروس.
وبذلك أصبح الأب أفرام واحدًا من الشخصيات التي جمعت في مسيرتها بين المذبح والمدرسة والمجتمع؛ خدم في الكنيسة، وعلّم في المدرسة، وتحمّل مسؤولية العمل الملي والاجتماعي.
السويد.. الهجرة التي لم توقف مسيرة الخدمة.
في 10 تموز/يوليو 1987، انتقل الأب القس أفرام لحدو إلى السويد:
كان انتقاله إلى السويد فصلًا جديدًا في حياته، لكنه لم يكن ابتعادًا عن رسالته، بل حمل معه خدمته الكنسية إلى أرض جديدة، حيث عُيّن كاهنًا لكنيسة مار برصوم السريانية في مدينة هوفشو.
وهنا برز وجه آخر من وجوه رسالته؛ فالمجتمع السرياني في بلاد الاغتراب كان في حاجة إلى من يرافقه روحيًا واجتماعيًا، ويحافظ على صلته بالكنيسة وتراثه وهويته.
وقد خدم الأب أفرام رعية مار برصوم، واهتم بشؤون أبنائها الروحية والاجتماعية، واستمر في أداء واجبه الكهنوتي، مؤكدًا أن الهجرة لا تعني انقطاع الإنسان عن جذوره، وأن الكنيسة تستطيع أن تكون جسرًا يصل الإنسان بماضيه وتراثه وإيمانه، أينما حل وارتحل.
ولم يمهله العمر طويلًا في السويد، إلا أن الفترة القصيرة التي قضاها هناك كانت كافية ليترك أثرًا في نفوس أبناء الرعية.
رحيل مفاجئ.. وحزن في قلوب المؤمنين:
في 4 كانون الثاني/يناير 1989، انتقل الأب القس أفرام لحدو إلى الأخدار السماوية، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والخدمة.
وجاء خبر نياحته بصورة مفاجئة، فأحدث حزنًا وأسى عميقين في نفوس المؤمنين وكل من عرفه أو سمع عنه.
وقد نقلت جريدة نهرو سريويو في السويد خبر نياحته، وأشارت إلى عمق الحزن الذي أصاب قلوب المؤمنين والمجتمع السرياني عمومًا، حيث سارع أبناء الرعية إلى مدينة هوفشو لتقديم التعازي إلى المجلس الملي للكنيسة وإلى ذوي الفقيد.
وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون الحزن حزن الأسرة وحدها، بل يصبح حزنًا جماعيًا عندما يرحل شخص ارتبط اسمه بخدمة الناس والكنيسة والمجتمع.
وداع يليق برجل عاش خادمًا:
وفي صبيحة 31 كانون الثاني/يناير 1989، احتشد جمهور غفير من المؤمنين في كنيسة الأبرشية السريانية في سودرتاليا، وفي قاعاتها الداخلية وساحاتها الخارجية، لإلقاء النظرة الأخيرة على الفقيد وتوديعه إلى مثواه الأخير.
كان المشهد شهادة صامتة على المحبة والمكانة اللتين احتفظ بهما الأب أفرام في قلوب أبناء شعبه.
فقد جاء المؤمنون من أجل الوداع، ومن أجل الصلاة، ومن أجل أن يقولوا للكاهن الذي خدمهم سنوات طويلة: إن خدمتك لم تذهب سدى، وإن حضورك ترك أثرًا سيبقى في الذاكرة.
وكانت مراسم التشييع والوداع محطة أخيرة في رحلة رجل تنقل بين أكثر من مكان، لكنه ظل يحمل في داخله شيئًا واحدًا لم يتغير: الانتماء إلى الكنيسة وخدمة الإنسان والمجتمع.
الأب أفرام في ذاكرة أبنائه وشعبه:
إن قيمة الشخصيات التي خدمت المجتمع لا تقاس فقط بعدد السنوات التي عاشتها، بل بما تركته من أثر في نفوس الناس.
والأب القس أفرام لحدو عاش مراحل متعددة من تاريخ مجتمعه، وشهد التحولات التي مر بها أبناء شعبه، من أزخ إلى الجزيرة السورية، ومن ديريك إلى السويد.
وفي كل محطة ترك شيئًا من ذاته:
ترك في المدرسة أثر المعلّم،
وفي الكنيسة أثر الكاهن والخادم،
وفي المجتمع أثر المسؤول الذي تحمّل الأمانة،
وفي قلوب المؤمنين أثر الإنسان القريب منهم.
ولهذا فإن استذكار سيرته اليوم ليس مجرد استعادة لتاريخ شخصي، وإنما هو استعادة لجزء من تاريخ مجتمع عاش ظروفًا صعبة، وتمسك رغم ذلك بإيمانه وهويته وكنيسته.
سيرة تختصر معنى الخدمة
عند قراءة مسيرة الأب القس أفرام لحدو، يمكن ملاحظة الخيط الذي جمع مختلف مراحل حياته:
الخدمة:
فقد خدم في التعليم، وخدم في الكنيسة، وخدم في المجال الاجتماعي، ثم حمل هذه الرسالة معه إلى السويد.
ولم تكن هذه الخدمات منفصلة عن بعضها؛ فكل واحدة منها كانت امتدادًا للأخرى. فالتعليم عنده كان خدمة للإنسان، والكهنوت كان خدمة للروح، والعمل الملي كان خدمة للمجتمع، والاهتمام بالرعية كان تعبيرًا عن محبة الإنسان لأخيه الإنسان.
ومن هنا، فإن الإرث الحقيقي الذي تركه لم يكن ماديًا، وإنما كان إرثًا من الإيمان والالتزام والمسؤولية والمحبة.
كلمة وفاء:
بعد عقود من رحيله، تبقى سيرة الأب القس أفرام لحدو جديرة بالتوثيق، لأن الذاكرة الجماعية لا تحفظ أسماء من خدموا أنفسهم، وإنما تحفظ أسماء الذين جعلوا من حياتهم مساحة للعطاء.
لقد عاش الأب أفرام في زمن شهد تحولات كبيرة، وتنقل بين أماكن متعددة، واختبر الهجرة والاستقرار والعمل والتعليم والكهنوت والاغتراب، لكنه ظل وفيًا لرسالته.
ومن أزخ، حيث وُلد وترعرع، إلى الحسكة حيث تلقى تعليمه، ومن ديريك حيث أمضى سنوات طويلة في التعليم والخدمة الكنسية والاجتماعية، إلى السويد حيث واصل رسالته في كنيسة مار برصوم في هوفشو، تبدو حياته كأنها رحلة طويلة من الجذور إلى الاغتراب، ومن التعليم إلى الكهنوت، ومن خدمة المجتمع إلى خدمة الرعية في المهجر.
وإذا كان الموت قد وضع حدًا لمسيرته الجسدية في الرابع من كانون الاول عام 1989، فإن أثره لم ينتهِ بذلك اليوم؛ لأن الذين يخدمون الناس بمحبة يتركون في ذاكرتهم ما هو أبقى من العمر.
إن تخليد ذكرى الأب القس أفرام لحدو هو تخليد لقيمة الخدمة ذاتها، وتكريم لجيل من الرجال الذين حملوا مسؤولية الكنيسة والمجتمع في مراحل صعبة، وساهموا في الحفاظ على الإيمان والتراث والهوية.
رحم الله الأب القس أفرام لحدو، وأسكنه الأخدار السماوية، وجعل ذكره طيبًا ومؤبدًا بين أبناء شعبه وكنيسته، وليبقَ ما قدّمه من خدمة وإيمان وعطاء شاهدًا على حياةٍ عاشها من أجل الله والإنسان.
المصدر:
المعلومات الواردة في هذه السيرة منقولة عن الشماس إسحق، نجل الأب القس أفرام لحدو، والتي حصل عليها من خلال إدارة جريدة نهرو سريويو في السويد، وفق ما ورد في المادة الأصلية.
الشكر الجزيل لـ ابن عمتي الغالي فهد حنا شيعا (منقول عن صفحته) على سيرة مختصرة عن والدي المرحوم الاب القس افرام.