وفي التجارب التي أجريت على الفئران المخبرية عرّض الباحثون الفئران لإجهاد طويل الأمد، مع تقسيمها إلى مجموعتين: الأولى كانت تحصل على الطعام باستمرار، بينما خضعت الثانية لنظام الصيام المتقطع الذي يسمح بتناول الطعام فقط في ساعات محددة.
وبينت النتائج أن الفئران في المجموعة الثانية أظهرت سلوكا اكتئابيا أقل، ونشاطا أعلى، واحتفاظا أكبر بالاهتمام بالطعام الحلو، وهو مؤشر على الرفاهية العاطفية لدى الحيوانات.
وكشف تحليل أدمغة الفئران أن الإجهاد المزمن يُتلف الميالين، وهو الغلاف الواقي للألياف العصبية الضروري لنقل الإشارات بشكل طبيعي بين خلايا الدماغ، لكن الصيام المتقطع ساعد في منع هذه التغييرات والحفاظ على بنية الميالين في مناطق الدماغ المسؤولة عن الذاكرة والعاطفة واتخاذ القرارات.
وبحسب دراسات إضافية، قد يكون هذا التأثير مرتبطا بتغيرات في تكوين الميكروبيوم المعوي، إذ أدى الصيام المتقطع إلى زيادة تنوع البكتيريا النافعة التي قد تساعد في حماية الدماغ من آثار الإجهاد.
ويعتمد الكثير من الناس نظام الصيام المتقطع لخسارة الوزن، لكن خبراء الصحة يحذرون من إتباع هذا النظام دون إشراف الطبيب أو أخصائي التغذية المختص، فقد يسبب هذا النظام في بعض الحالات مشكلات في هرمونات الجسم، كما أنه غير مناسب للأشخاص الذين يعانون من أمراض الكبد الصفراوية، أو خضعوا لاستئصال المرارة، أو لديهم مشكلات في المعدة.
وتوصل الباحثون إلى أن الفوائد الصحية المرتبطة بالصيام المتقطع وتقييد السعرات الحرارية لا ترتبط بالصيام نفسه، بقدر ما ترتبط بما يحدث في الجسم بعده خلال مرحلة إعادة التغذية.
وتبين أن الجسم يعيد ضبط عملياته الأيضية بشكل معقد قد يكون هو المفتاح الحقيقي لإطالة العمر.
ووجد فريق البحث من مركز يو تي ساوث وسترن الطبي،أن التأثير الإيجابي للصيام على العمر لا ينتج مباشرة عن الامتناع عن الطعام، بل عن التحولات البيولوجية التي تطرأ عند العودة إلى تناول الغذاء.
واعتمد الباحثون في نتائجهم على تجارب أُجريت على كائن حي بسيط يُستخدم على نطاق واسع في الأبحاث العلمية، مع احتمال أن تنعكس هذه النتائج مستقبلا على فهم صحة الإنسان والشيخوخة.
وعند الصيام، تبدأ الخلايا باستهلاك مخزونها من الغلوكوز سريعا، ثم تتحول إلى حرق الدهون المخزنة للحصول على الطاقة. وتتحكم في هذه العملية بروتينات أهمها بروتين يعرف باسم إن ايتش ارـ49 الذي ينشط عندما تنخفض مستويات الطاقة، فيحفّز الخلايا على استخدام الدهون كمصدر بديل.
لكن عند إعادة التغذية، يتغير المشهد تماما؛ إذ يتوقف نشاط هذا البروتين، فتقل عملية تكسير الدهون وتبدأ الخلايا بإعادة بناء مخزونها الطبيعي من الطاقة.
ويقول الباحثون إن التركيز العلمي لم يكن سابقا موجّها بشكل كاف إلى هذه المرحلة الانتقالية بين الصيام والأكل، رغم أنها قد تكون الأكثر أهمية في تحديد الفوائد الصحية.
وفي دراسة سابقة، اكتشف الفريق نفسه أن بروتين إن ايتش ارـ49 لا يقتصر دوره على تنظيم حرق الدهون، بل يعمل أيضا كمستشعر لمخزون الدهون داخل الخلايا، ما يجعله عنصرا محوريا في توازن الطاقة.
ولفهم دوره في إطالة العمر، أجرى الباحثون تعديلات وراثية على الكائن الحي البسيط لإزالة هذا البروتين، ثم عرضوها للصيام لمدة 24 ساعة. وجاءت النتائج مفاجئة، إذ لم يتراجع تأثير الصيام في إطالة العمر، بل استمر، حيث زاد متوسط عمر الكائن الحي البسيط. بنسبة وصلت إلى نحو 41في المئة، كما ظهرت عليها علامات نشاط وحيوية أكبر حتى في مراحل الشيخوخة.
وبعد ذلك، اتجه الباحثون إلى مرحلة إعادة التغذية لفهم ما يحدث عند توقف نشاط البروتين. وتبين أن تعطيله يتم عبر إنزيم يُعرف باسم سي ك1 ألفا 1، الذي يقوم بتعديل كيميائي لبروتين ان ايتش ارـ49عبر عملية تسمى الفسفرة، ما يؤدي إلى إيقاف نشاطه.
لكن عندما حاول الباحثون إبقاء هذا البروتين نشطا حتى بعد إعادة التغذية، اختفت الفوائد المرتبطة بإطالة العمر تماما، رغم استمرار الصيام في البداية.
وتشير هذه النتائج إلى أن القدرة على إيقاف نشاط بروتينات حرق الدهون بعد الصيام قد تكون عنصرا أساسيا في تحقيق الفوائد الصحية وطول العمر.
وقد يفتح فهم هذه الآلية الباب أمام تطوير علاجات أو تدخلات غذائية تحاكي تأثير الصيام، دون الحاجة إلى الامتناع الطويل عن الطعام، بما قد يساعد مستقبلا في تحسين الصحة وإبطاء الشيخوخة لدى البشر.

