حوار صبري يوسف مع الدكتور برهان غليون

أضف رد جديد
صورة العضو الشخصية
ابن السريان
مراقب عام
مراقب عام
مشاركات: 1881
اشترك في: الجمعة إبريل 16, 2010 7:22 pm

حوار صبري يوسف مع الدكتور برهان غليون

مشاركة بواسطة ابن السريان » السبت ديسمبر 24, 2011 9:44 pm


حوار صبري يوسف مع الدكتور برهان غليون
عبر جريدة العرب اليوم الأردنية

أجريتُ هذا الحوار بتاريخ 23 آذار مارس 2007 من خلال صفحة ضيف تحت المجهر، التي يشرف عليها الصحافي الأردني عادل محمود وقدَّم الدكتور برهان غليون ثمَّ ترك المجال مفتوحاً للكتّاب والمثقفين الذين يودّون أن يقدِّموا مداخلاتهم وتساؤلاتهم، وأجاب الدكتور غليون على أغلب التساؤلات. أستعرض فيما يلي التقديم وتساؤلاتي وردّ الدكتور غليون على أسئلتي في حينها، وردّي وتفنيدي الآن على ردوده التي تتناقض في جوهرها مع طروحاته الآن على الساحة الدولية فيما يخص سورية والعالم العربي، وقد وجدتُ مؤخراً إجاباته محفوظة في آرشيفي نقلاً عن جريدة العرب اليوم، فاستهواني أن أنشرها الآن لما لها من أهمية للمتابعين والمهتمين بالشأن السوري والعربي والعالمي.

المفكر العالمي الدكتور برهان غليون مدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون في باريس
من خلال باب الحوار الالكتروني المباشر بين المسؤول والمواطن والمثقف والقارئ ومن خلال ضيف تحت المجهر عبر موقع العرب اليوم الالكتروني تستمر مسيرة الرأي الآخر. ضيفنا لهذه الحلقة من سورية، المفكر العالمي الدكتور برهان غليون مدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون في باريس .
بطاقة ضيفنا :

برهان غليون،
أستاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون في باريس. دكتوراة الدولة في العلوم الانسانية وأخرى في علم الاجتماع السياسي.
عضو الجمعية الدولية لعلم الاجتماع، وأحد المساهمين الرئيسيين في النقاش الفكري والسياسي الدائر في العالم العربي حول تجديد أسس الحياة السياسية والأخلاقية وقضايا الانتقال نحو الديمقراطية وبناء المجتمعات المدنية. عضو في الرابطة الفرنسية للدراسات العربية، عضو في هيئة تحرير مجلة الشعوب المتوسطية، عضو في هيئة تحرير كونفلونس ميديبرانيين (روافد متوسطية)، باريس.
واضع العديد من المؤلفات بالعربية والفرنسبة أهمها: - بيان من أجل الديمقراطية، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت،- المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، بيروت، الطليعة، سينا للنشر القاهرة، - مجتمع النخبة، معهد الانماء العربي، بيروت،- اغتيال العقل،- نظام الطائفية، من الدولة إلى القبيلة،- الوعي الذاتي، - مابعد الخليج، أو عصر المواجهات الكبرى، نقد السياسة الدولة والدين،- المحنة العربية، الدولة ضد الأمة،- حوارات من عصر الحرب الأهلية،- حوار الدولة والدين مع سمير أمين، المركز الثقافي العربي،- العرب ومعركة السلام، المركز الثقافي العربي،- العالم العربي أمام تحديات القرن الواحد والعشرين،- ثقافة العولمة، مع سمير أمين،- الاختيار الديمقراطي في سورية،- العرب وتحولات العالم، المركز الثقافي العربي،- النظام السياسي في الاسلام،- العرب وعالم ما بعد 11 سبتمبر.، إضافة إلى العشرات من المؤلفات الجماعية ومن الدراسات والتحليلات السياسية والاجتماعية المنشورة في المجلات العلمية والصحافة اليومية بالإضافة لكتب عديدة باللغة الفرنسية.

عادل محمود


(427) صبري يوسف
د. برهان غليون
تحية
بادئ ذي بدء أحيِّيك دكتور برهان على كلّ ما قدّمته وتقدِّمه من رؤى وأفكار مستنيرة، حيث قرأت لكَ الكثير من المقالات والكتب وحضرتُ لكَ أكثر من برنامج تلفزيوني، وأثارت اهتمامي رؤاك المتفتِّحة والرحبة ممَّا قادتني الآن أن أطرح عليك بعض الأسئلة آملاً أن أتلقَّى إجابات شافية من عوالمكَ الفسيحة!
1 ـ إلى متى سيبقى القادة العرب عاجزين عن قيادة بلادهم إلى جادة الصَّواب وإلى بوابات الأمان والسّلام والوئام؟!
2 ـ هل ترى أن العرب لهم هواية في الحروب، فدائماً العالم العربي يغلي في الحروب مع أنه فشل في أغلب حروبه، فلماذا لا يضع حدّاً لهذه الحروب طالما هو غير جدير بقيادة الحروب؟!
3 ـ متى سيتحقَّق السلام في الشرق الأوسط، هل ترى أن السَّلام الذي تمّ هو سلام حقيقي أم هو سلام مخروم، لأنَّه مفصّل كما تريده أميريكا واسرائيل، لا كما يقتضي الحق والمنطق والعدالة وأسس السَّلام؟
4 ـ هل ممكن أن يتحقَّق السَّلام ما بين اسرائيل كدولة قوية ومدعومة من أميريكا وبين العرب حيث التشتُّت والانقسام والتشرذم قائم ركباً، فاذا كان القادة العرب لا يتفاهمون مع بعضهم بعضاً، كيف سيتفاهمون ويفرضون فهمهم وبرنامجهم وحقّهم على الغرب وبالتالي على اسرائيل؟
5 ـ المواطن في العالم العربي مظلوم إلى أبعد درجات الظلم، فهو يدخل في حرب ولا يخرج منها إلا إلى القبر أو التقاعد، علماً أن اقتصاد العالم العربي هو من أقوى الاقتصاد خاصة فيما يتعلَّق بالنَّفط، فمثلاً عندك العراق دولة نفطية وغائصة في حروب لا نهاية لها وكذلك دول أخرى في طريقها إلى القحط المفتوح على رقبة المواطن؟!
6 ـ هل توافقني الرأي أن دور المرأة شبه مشلول في أغلب بلدان العالم العربي، إلى متى ستبقى المرأة مختصَّة بالانجاب والطاعة العمياء، فأنا أرى أن الرجل في العالم العربي غير متحرِّر فكيف سيتم تحرُّر المرأة؟!
7 ـ لو أحصينا أغنى أغنياء العالم سنجد أن أغلبهم من العالم العربي ومع هذا نجد المواطن العربي على مشارف خط الفقر، لماذا أغلب الحكام والملوك العرب من أغنى أغنياء الكون والمواطن العربي من أفقر فقراء الكون، هل هذه المعادلة منطقية؟!
8 ـ الديمقراطية، الحرية، العدالة، المساواة، الرأي والرأي الآخر، التعدُّدية الحزبية، الثقافة، التطوُّر، الحضارة، الإبداع، بناء الإنسان، الخ، لماذا أغلب هذه المفاهيم تكاد تكون غائبة عن متناول المواطن العربي ومَنْ ينضوي تحت اللواء العربي؟!

صبري يوسف
كاتب وشاعر سوري مقيم في ستوكهولم
[email protected]




(525) برهان غليون

الأخ صبري يوسف معك كل الحقّ في طرح تساؤلاتك المؤلمة حول وضع العالم العربي.
لن يتحرر العالم العربي من سيطرة النُّخب العاجزة والفاسدة، ولن ينجح في تجنُّب الحروب الداخلية والخارجية وتحقيق السلام والأمن، ولا في استرداد حقوقه الوطنية في فلسطين والجولان وغيرها من الأراضي المحتلة، ولن يتمكن من مكافحة التفاوت الفاحش في توزيع الثروة وما ينجم عن ذلك من تعميم الفقر والجهل والبؤس من جهة وتكوين قلّة من أباطرة المال والأعمال من جهة ثانية، ولن تكون لأشكال الظلم المتعدِّدة التي تفتك بمجتمعاته نهاية، ما لم يدخل الشعب بنفسه إلى الميدان ويتجرأ على أخذ مسؤولياته والخروج من حالة الاستسلام والتسليم التي فرضتها عليه أنظمة أمنية قائمة على الردع الدائم وإرهاب الناس وإعدام جذوة الحياة والأمل لديهم للحصول على إذعانهم وخضوعهم. من دون ذلك ليس هناك أي أمل في المستقبل. وعلى الواعين من بين العرب التفكير بأفضل الطرق للتواصل مع الشعب لدفعه إلى أخذ شؤونه بيده وتمثل المثل القديم القائل : ما حكَّ جلدك مثل ظفرك. المراهنة على نخب جديدة منقذة من دون نزول الشعب إلى ميدان السياسة ومعتركها هو من قبيل الأوهام الفاسدة والمفسدة معاً، فما بالك بالمراهنة على القوى الأجنبية التي راودت لفترة بعض الحالمين.

انتهت إجابات الدكتور برهان غليون عن تساؤلاتي.
*****

أجريتُ هذا الحوار مع الدكتور برهان غليون بتاريخ 13 آذار (مارس) 2007 عبر جريدة العرب اليوم الأردنية، زاوية ضيف تحت المجهر، حيث كان الصحافي الأردني المعروف عادل محمود، المشرف على صفحة حارات الكترونية وضيف تحت المجهر، يستضيف بين حينٍ وآخر، ضيفاً هامَّاً ليضعه بطريقة راقية تحت المجهر، ويستضيف بدوره مجموعة من الكتَّاب والشعراء والأدباء والمثقفين والمهتمّين بقضايا الأدب والثقافة والسياسة من العالم العربي ومن خارج الوطن العربي أيضاً ويترك الباب مفتوحاً لمن يشاء من المتابعين والمهتمِّين كي يقدِّموا وجهات نظرهم وتساؤلاتهم على الضيف تحت المجهر عبر الشبكة العنكبوتية، وكنتُ أحد المدعوين من قبل الكاتب الصحافي عادل محمود لتقديم مداخلة على الدكتور برهان غليون.
لبّيتُ الدعوة برحابة صدر وقدَّمت مداخلتي بدقّة حول الواقع المرّ الذي يعاني منه العالم العربي، وقد وجدتُ في الدكتور غليون ضالَّتي المنشودة لما له من مكانة كبيرة في الكثير من المجالات والدراسات السياسية والاجتماعية التي تصبُّ في صميم اهتماماتي وتخصُّصي في مجال العلوم الاجتماعية والفلسفية، وقد أجاب في حينها بدقّة على تساؤلاتي وباقتضابٍ كبير، وأعذره لأنه كان بصدد الإجابة عن تساؤلات ومداخلات الكثيرين.
الآن، وفي هذه اللحظات التاريخية من حياة الشَّرق والغرب، أودُّ أن أقدِّم مداخلتي وتحليلي على ردّ الدكتور غليون على تساؤلاتي التي سألتها له آنذاك، وكانت تلامس بعمق واقع الحال الحالي، مع أنني طرحتها عليه منذ سنوات، وأودّ أن أذكِّره بردّه على أسئلتي، وأبيّن له وللقارئ ولكل المتابعين الفارق الكبير في صيغة منهج التفكير عند الدكتور غليون الآن مقارنة بما أجابني حول التغيير في العالم العربي في حينها، فقد أجابني الدكتور برهان غليون بما يلي:

" الأخ صبري يوسف، معك كل الحقّ في طرح تساؤلاتك المؤلمة حول وضع العالم العربي.
لن يتحرر العالم العربي من سيطرة النُّخب العاجزة والفاسدة، ولن ينجح في تجنُّب الحروب الداخلية والخارجية وتحقيق السلام والأمن، ولا في استرداد حقوقه الوطنية في فلسطين والجولان وغيرها من الأراضي المحتلة، ولن يتمكن من مكافحة التفاوت الفاحش في توزيع الثروة وما ينجم عن ذلك من تعميم الفقر والجهل والبؤس من جهة وتكوين قلّة من أباطرة المال والأعمال من جهة ثانية، ولن تكون لأشكال الظلم المتعدِّدة التي تفتك بمجتمعاته نهاية، ما لم يدخل الشعب بنفسه إلى الميدان ويتجرَّأ على أخذ مسؤولياته والخروج من حالة الاستسلام والتسليم التي فرضتها عليه أنظمة أمنية قائمة على الردع الدائم وإرهاب الناس وإعدام جذوة الحياة والأمل لديهم للحصول على إذعانهم وخضوعهم. من دون ذلك ليس هناك أي أمل في المستقبل. وعلى الواعين من بين العرب التفكير بأفضل الطرق للتواصل مع الشعب لدفعه إلى أخذ شؤونه بيده وتمثل المثل القديم القائل : ما حكَّ جلدك مثل ظفرك. المراهنة على نخب جديدة منقذة من دون نزول الشعب إلى ميدان السياسة ومعتركها هو من قبيل الأوهام الفاسدة والمفسدة معاً، فما بالك بالمراهنة على القوى الأجنبية التي راودت لفترة بعض الحالمين.".

إننا لو تمعّنا فيما أجاب الدكتور غليون، نجد أنه أصاب كبد الحقيقة في حينها، حيث أنه أكّد بحزم على ضرورة أن يفكِّر الواعون من العرب بأفضل الطرق للتواصل مع الشعب العربي لدفعه إلى أخذ شؤونه بيده، مؤكداً على مثل قديم ما حكّ جلدك مثل ظفرك، وهنا تأكيد واضح وصريح من قبل الدكتور غليون على ضرورة التعاون والتكاتف مع الشعب العربي حصراً، ويضيف إن المراهنة على نخب منقذة من دون نزول الشعب إلى ميدان السياسة ومعتركها هو من قبيل الأوهام الفاسدة والمفسدة معاً، فما بالكَ بالمراهنة على القوى الأجنبية التي راودت لفترةٍ بعض الحالمين؟!

إن تأكيد د. غليون في حينها واضح وضوح الشمس على مراهنته على النخبة الواعية من العرب أن تفكر بأفضل الطرق للتواصل مع الشعب كي ينزلوا إلى ميدان السياسة ومعتركها ومن دون النزول إلى معترك الشارع السياسي هو ضرب من الأوهام الفاسدة والمفسدة، وأروع ما أقفل به جوابه كان: "فما بالك بالمراهنة على القوى الأجنبية التي راودَت بعض الحالمين"! أي أنه اعتبر آنذاك الذين يعتمدون على القوى الأجنبية هو من قبيل الأحلام والأوهام الفاسدة والمفسدة، لأن الجملة الثانية معطوفة على الأولى، فقد كان فعلاً جوابه لأسئلتي في حينها سديداً للغاية، وهو ما يطمح إليه أي مواطن سوري موضوعي ومنطقي وعملي، بكل شرائحه وقومياته واثنياته وطوائفه على كافة الرقعة الجغرافية السورية والبلدان العربية الأخرى!
فلماذا الآن يا دكتور غليون، تغيرتْ معكَ مقاييس التغيير والتطوير، تغيير وتطوير البلاد، لماذا اعتبرتَ آنذاك أنَّ الاعتماد على تدخُّل القوى الأجنبية ضرب من الأحلام الفاسدة والمفسدة، بينما نراك الآن تعتمد اعتماداً مطلقاً على القوى الأجنبية؟! أليس هذا تناقضاً ما بعده تناقض في رؤاك الفلسفية والسياسية والإجتماعية والتحديثية، أما كنتَ تعتبر أن الاعتماد على القوى الأجنبية في تغيير البلاد ضربُ من الأحلام، وأية أحلام؟ أحلام فاسدة ومفسدة، أليست هذه نعوتك لتشخيص وتفنيد كيفية تحرير واقع الحال العربي، وهل سورية من غير العالم العربي؟

دكتور برهان، لا شكّ أنكَ تحمل رؤى ووجهات نظر وتحليلات وأفكار عميقة فيما يخصُّ العالم العربي وكمفكِّر سياسي اجتماعي وتنويري كبير، وكما ذكرتُ لكَ في تساؤلاتي انني قرأت الكثير من مقالاتك وبعض كتبك وكوَّنت انطباعاً عميقاً حول فكرك التنويري وفكرك اليساري الديمقراطي الخلاق، ولكن اسمح لي أن أقول لكَ أنكَ انتقلتَ بأفكارك ميدانياً وعلى أرض الواقع الملموس من أقصى اليسار التنويري الديمقراطي إلى أقصى اليمين التدميري، ولا أقصد من الجانب الفكري والسياسي، بل من الجانب العملي والميداني، حيث أنكَ أجبتني بالحرف الواحد أنكَ ضد الاعتماد على القوى الأجنبية فيما يخصّ التغيُّرات في العالم العربي، بينما أراك الآن تضع كل ثقلكَ الفكري ورؤاك مع التدخُّل الأجنبي، ما هي مصير أفكارك اليسارية والتنويرية العاجّة بالكتب؟ ما رأيكَ يا دكتور لو عدتَ إلى إجاباتكَ عن تساؤلاتي وتساؤلات غيري ثم تقرأ إجاباتكَ بكل هدوء، ثم عدْ إلى مقالاتكَ وأفكارك التي طرحتها في أمّهات الكتب، واقرأها بهدوء، ستجد نفسكَ أنكَ تنصَّلتَ من جوهر أفكارك ورؤاك لما كتبْتَ ودرسْتَ ودرّست في أرقى جامعات العالم.

أراك الآن في الطرف المناقض لأفكارك وتحليلاتكَ التي سهرتَ عليها سنيناً وعقوداً وأنت تنبش وتفنّد وتحلِّل في أعماق جوهر الكتب العالمية كي تصطفي أرقى ما يمكن اصطفاؤه وتفنّده وتدوّنه في كتبكَ الراقية، ثم تأتي فجأةً وتقدِّم لنا وصفات لوجهات نظر غربية جاهزة لكيفية البناء والتغيير بطريقة تناقض تماماً وجهات نظرك التي اشتغلت عليها سنينا طويلة، فلماذا هذا الانقلاب على أفكارك التي تبنّيتها طويلا؟! إنني أرى وجهات نظرك وتطلُّعاتكَ الآن وتحديداً منذ الحراك الوطني في سورية، لا تصبُّ في تعمير البلاد بقدر ما تصبُّ في تدمير البلاد والعباد. لأنكَ يا دكتور برهان أنتَ أجبتَ عن تساؤلاتي مؤكِّداً: " .. على الواعين من بين العرب التفكير بأفضل الطرق للتواصل مع الشعب لدفعه إلى أخذ شؤونه بيده وتمثل المثل القديم القائل : ما حكَّ جلدك مثل ظفرك. المراهنة على نخب جديدة منقذة من دون نزول الشعب إلى ميدان السياسة ومعتركها هو من قبيل الأوهام الفاسدة والمفسدة معاً، فما بالك بالمراهنة على القوى الأجنبية التي راودت لفترة بعض الحالمين.".
ألم تقُل لي أنتَ هذا الكلام حرفياً في سياق ردِّكَ على تساؤلاتي عبر جريدة العرب اليوم الأردنية، عندما كنتَ ضيفاً تحت المجهر، حيث كان مجهر الكاتب الصحافي عادل محمود ساطعاً سطوع الشمس، هل أنتَ راضٍ على توجُّهاتك الجديدة، باعتمادك المطلق على القوى الأجنبية والتوجُّهات الغربية؟ لماذا تناقض نفسك بنفسك يا أيها المفكر العالمي المعروف؟ كن أميناً يا دكتور لأفكارك وتطلعاتكَ وتحاليلك التي دوَّنتها في كتبك ومقالاتكَ ومحاضراتكَ التي ملأت الدنيا، ولا تخيّب آمال قرائك ومتابعيك الذين يحترمون أفكارك البديعة في كتبك الغزيرة، ولا تنزلق إلى مهاوي التهلكة في الاعتماد على القوى الأجنبية التي أنتَ بنفسك اعتبرتها ضرب من الأوهام الفاسدة والمفسدة!

لا تراهن يا دكتور على الغرب، ولا على رؤى وتوجّهات الغرب فيما يخص الشرق، لأن الغرب هو ديمقراطي مع شعبه ومع تعامله مع شعبه ومواطنه، ولكنه ليس ديمقراطياً على الإطلاق فيما يخص الشرق وبلدان الشرق، وكل ما يهمه هو زجّ الشرق والعالم العربي في حروب لها أول وليس لها آخر، كي يقطف هو أي الغرب ثمار حروبه التي شنّها، وما حصل في العراق وليبيا أكبر دليل على أنه يستثمر الثغرات والأخطاء والفساد في البلاد التي يتدخل في شؤونها كي يحصد بعدئذٍ الغلال الوفيرة، كما حصل في الكثير من بلدان الشرق العربي، لأن الشرق يسدِّد فاتورة الحروب وفاتورة الاعمار إيضاً، فهو على الوجهين يمتصُّ دماء الشَّرق والعالم العربي، والغرب بتدخله في دنيا الشرق ليس لديه سوى مشروع تجاري استغلالي وصفقات لا أكثر، وليس له أية تطلعات لتحقيق الديمقراطية والحرية في البلاد العربية، بالعكس تماماً يهمّه بالدرجة الأولى والأخيرة أن تكون هذه البلاد متخلفة ومتسلّطة وقمعية كي تصبح هذه الأسباب ذريعة للتدخل في شؤونها ويحقق أهدافه الاقتصادية الاستغلالية.
وعتبي كبير وكبير جداً على السياسات العربية، فبدلاً من أن تتضامن مع بعضها بعضاً في المحن والأزمات والحروب، أراها تنشقّ عن بعضها وتعادي بعضها بطريقة مقيتة، وتنحاز للغرب انحيازاً مدمّراً، لهذا يسهل على الغرب وبكل بساطة ابتلاع الشرق برمته، ورسم خرائطه وتوزيع اقتصاده وخيراته كما يشاء، وكأن إقتصاد الشرق مباح وتابع للغرب، وكل هذا ناجم عن خلخلة العلاقات العربية العربية، وهكذا تساهم الأنظمة العربية بطريقة أو بأخرى تقديم دولة تلوى الأخرى على طبق من ذهب للغرب، وقد نسى العرب أو بالأحرى الأنظمة العربية أن الغرب سيحصدهم واحداً واحداً لو استمروا بهذه السياسة التفككية العدائية لبعضهم بعضاً، لهذا أرى أنه من الضروري الآن، والضروري جداً الاسراع في الاصلاح والتغيير في كل دولة من دول العالم العربي، بحيث أن يبدأ الاصلاح والتغيير من الداخل ومن خلال المواطن في كل بلد عربي، عبر الحوار الوطني والديمقراطي الخلاق، بالتعاون والتضامن مع كافة الأطياف والشرائح والأحزاب والاثنيات والقوميات، لأنه لا يمكن لأي بلد على وجه الدنيا أن ينهض ويتطوَّر ويصلح نفسه ما لم يعتمد على مواطنه بالدرجة الأولى وانطلاقاً من أفكار مستنيرة وحضارية وديمقراطية تناسب أبجديات العصر، وهناك عشرات الأمثلة في التاريخ وفي الوقت الحاضر تؤكّد لنا أن تدخُّلات الغرب في الشرق وفي العديد من دول العالم كانت وما تزال لمصلحة استغلالية واقتصادية بحتة وليست لها أية علاقة بالديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة، وبالعكس تماماً فأنا أرى من مصلحة الغرب أن تكون البلاد العربية متخلفة وغير ديمقرطية وغير مستنيرة ومتناقضة مع بعضها بعضاً كي يسهل عليه تحريك هذه البلاد كما يشاء من خلال الثغرات والاغلاط والفساد والتناقضات التي تتخللها، لهذا على البلاد العربية أن تصلِّح وتغيّر ذاتها بذاتها.

من هذا المنظور آمل أن تفكِّر مليِّاً وبتحليل عميق بالمخطط المرسوم لك ولغيرك فيما يخص التغيير في سورية وفي الشرق، ولا تنسَ أنَّ سورية كوطن تحتاج إلى مفكِّريها ومبدعيها ومثقفيها وسياسييها كي يخرجونها من محنتها وأزمتها، فها هي سورية تفتح صدرها لكل مواطن سوري من داخل الوطن ومن خارج الوطن للحوار الوطني الخلاق، فلا حل لأزمة سورية إلا بالحوار ولا خيار آخر على وجه الدنيا إلا الحوار، فما فائدة أن يأتي فاتحاً إلى دمشق على دبّابة أميريكية أو غربية، وهل تظن أو يظن من يشاطرك الرأي أن الغرب سيفتح لكَ أبواب دمشق على صحن من ذهب كرمال عيون الدكتور برهان غليون؟! لقد قلتَ لي بالحرف الواحد في حواري معك، ما حكَّ جلدك إلا ظفرك، والاعتماد على القوى الغربية ضرب من الأحلام الفاسدة والمفسدة، فحكِّم عقلك النيّر قبل فوات الأوان، وأعد النظر فيما أنتَ قادم عليه، وتأكّد أن أبواب دمشق مفتوحة لكَ كمفكر وعالم كبير، وحاور بني جلدتك بكل هدوء واقنعهم بما لديك من وجهات نظر تنويرية وتطويرية وإصلاحية، وتفضَّل وأسِّس أحزاباً تكفل وتصون حرية وكرامة وحقوق المواطن، وسخّر فكرك لتطوير بلدك بشكلٍ راقٍ بما يناسب الفكر الفلسفي الذي تحمله، لا أن تطرح نفسك كأنك قائد جيش وتهاجم الأعداء، فالذين تختلف معهم، مهما كان خلافك واختلافك معهم بالنتيجة ليسوا أعداء، القضية وما فيها هي اختلاف في وجهات النظر، أنتَ تنظر بطريقة وهم ينظرون بطريقة، ولهذا على كل الأطراف أن تنظر إلى الوطن بالطريقة التي يرونها صحيحة شريطة أن يكون النظر من منطلق حضاري ووطني وتنويري حقيقي، ومن منظور الحفاظ على المواطن السوري. وأودّ أن أؤكّد لكَ وللنظام السوري وللأحزاب السورية الموالية والمعارضة وللنظام الكوني أن قتل طفل بريء واحد في سورية هي جريمة الجرائم في حقك وفي حق النظام وفي حق الكون برمته، فيما إذا كنتم جميعاً متسبِّبين في قتله!

ولهذا أرى أنَّ سورية بكل جغرافيتها الجميلة يجب أن تحضن الطفل والطفولة، يجب أن تحضن الشباب والشابات، يجب أن تحضن الرجال والكهول والشيوخ، يجب أن يسير المواطن شامخ الرأس، وعلى المتنوِّرين والمفكرين والسياسيين تقع مسؤولية قيادة الوطن إلى جادة الصواب بعيداً عن لغة القتل والتدمير والحروب وتفخيخ السيارات وتفخيخ المخ والمخيخ، علينا جميعاً ان نحافظ على مخ ومخيخ المواطن، لا أن نفجِّره بالقنابل والمتفجِّرات والسلاح الفتَّاك، كأنَّنا في عصور ما قبل الحجرية، يا دكتور برهان أتكلم معك بكل صراحة بصفتك مفكِّراً كبيراً وعميقاً في رؤاك الديمقراطية، فلا تتبع أسلوب الحرب في الحوار السياسي وفي تطوير البلاد، أصلاً المفكر أي مفكِّر على وجه الدُّنيا لا يليق به أن يفكر بطريقة دموية حربية عسكرية، من جهتي لا أختلف معك ومع آلاف المفكرين والمثقفين والسياسيين على أن هناك في سورية والعالم العربي الفساد والاغلاط والتجاوزات ولكن تفضَّل شرّف صلِّح وغيِّر وعالج هذا الفساد بالعقل الخلاق، بالفكر المستنير، لا بالناتو، وبالدبابات والطائرات والصواريخ الغربية! هذا أسلوب لا يليق نهائياً بمفكر ولا بسياسي يحترم حرية الآخر ويحترم كرامة الآخر ويحترم الوطن الذي أنجبه للحياة!

بالحقيقة أتحدث معك كإنسان وليس كسياسي، وكمفكر وليس كعسكري، وكباحث كبير في تحليل سياسات الكون، فكيف لا تفكِّر أنتَ بمعالجة وضع بلدك بطريقة حضارية تليق بك وبالوطن وبحضارة الوطن، وبالفكر الراقي الذي تحمله، ومن الأفضل أن تترجم فكرك بما يفيد البشرية ككل، فكم بالأولى بك أن تترجمه لصالح وطنك، ببساطة يا دكتور أنا ضد لغة العنف وضد لغة الحروب وضد لغة القوة الدموية، أنا مع من قوَّة العقل، وقوة المنطق وقوَّة الحجة في الحوار وقوة الاقناع وقوة التواصل مع الانسان بشكل حضاري، وكل ما أقوله لك، أقوله للنظام السوري وللمواطن السوري بكل أطيافه، بكل أحزابه وقومياته واثنياته، ولكل مواطن داخل وخارج البلاد سواء كان من المعارضة أو من الموالاة، علينا جميعاً أن نقود الوطن إلى بوابات الأمان والوئام والحرية والديمقراطية والمواطنة الحقيقة.
آمل يا دكتور برهان أن تعيد النظر فيما أنتَ قادم عليه، وآمل أن يكون لكَ دوراً كبيراً في حقن الدماء، دماء المواطنين السوريين، وآمل أن أراك جنباً إلى جنب مع بقية أقطاب المعارضة في الخارج والمعارضة وكل الأحزاب الوطينة في الداخل وتحاوروا بعضكم بعضاً داخل الوطن وتضعوا حدّاً لهذه الصراعات الدموية، وتأكَّد أن الأهداف التي تريد تحقيقها عبر الحوار الوطني الخلاق أفضل من التناحر العسكري الغربي والصراع الدموي مع الشرق، فما ذنب مواطن ما بريء يسير في الشارع وإذ به يتعرض للقتل، أنتم تتهمون النظام بأنه هو من قتله والنظام يتهمكم أنكم أنتم من قتلتونه، وأنا أتهمكم جميعاً على أنكم على غلط جسيم، لأنه بالنتيجة خسرنا مواطناً بريئاً، وبما أن سورية كوطن كدولة كحكومة فتحت صدرها لكل موطن سوري في داخل البلاد وخارجه كي يقدم رؤاه السديدة لمعالجة الوضع في سورية ولوضع حدّ للفساد والأغلاط والتجاوزات، فلماذا لا يتقدم كل مواطن سوري ابتداءً من المفكر الدكتور برهان غليون ومروراً بكل مغترب سوري وبكل مواطن سوري داخل البلاد ويتحاوروا مع بعضهم بعضاً بكل ودّ وبكل رقي وبإشراف عربي ودولي لتحقيق الأهداف المرجوة في التغيير والتطوير ولقطع دابر الحروب المجنونة التي لا تقودنا إلا إلى المزيد من الخراب والدمار. وأنا أرى أن الإعمار يأتي من خلال بناء وتحسين ما هو معمَّر، لا أن نهدِّم ونحرق ونقتل ونحول البلاد إلى أشباح ودمار ثم نأتي ونطرح نظرية إعادة الإعمار، لماذا نعيد الاعمار بعد الدمار، ولماذا ندمِّر البلاد أصلاً ونأتي ونعمِّر ما ندمِّره؟ هذه النظرية الخرقاء بإعادة اعمار الدمار هي نظرية سخيفة اخترعها الغرب كي يبرِّر خرابه ودماره واحتلاله ونهبه لخيرات البلاد، لأنه يقبض فاتورة الدمار والإعمار معاً، وكلما كان الدمار كبيراً، كانت الفاتورة أكبر وبالتالي الاعمار أيضاً أوسع وأشمل والفاتورة بالطبع ستكون أكبر وهكذا القضية هي عبارة عن مشروع تجاري بالنسبة للغرب وتحديداً أميريكا، وها قد وجدنا ما حققته من دمار وخراب في العراق، ولهذا علينا أن نتجنّب الدمار، ونركّز على الاعمار وعلى الاصلاح والحوار البنّاء والفعال، على الوطن كوطن، لا على الوطن كصفقات، الوطن أي وطن على وجه الدنيا أكبر من الصفقات وأكبر من أي قائد سياسي وأكبر من أي مفكر وأكبر من أي مواطن، والوطن أم وأب الإنسان وعلى المواطن السياسي والمواطن المفكر، أن يفكرا بهذا الوطن الأم والأب، وبهذه المعادلة الاحتضانية سيكون الوطن والمواطن في حالة أمان وسلام ووئام. الوطن أي وطن لا يتحمل كل هذه الصراعات العقيمة، وهذه الحروب الهوجاء وهذه التدخلات المتحجِّرة والسقيمة، إننا نعيش في القرن الحادي والعشرين وليس في العصور الحجرية، إلى متى سيفكر الإنسان بلغة الحرب والسلاح والقوة والدمار لإعادة الإعمار، ألا يحتاج العراق قرناً لإعادة الإعمار، وكيف سنعمِّرُ ونحيي الموتى الذين ماتوا ويموتون وسيموتون؟!.

إنَّ الذي ينقذ سورية من محنتها وأزمتها البركانية هو المفكر، والمفكر الحقيقي هو الذي يغلِّب الفكر الإنساني الخلاق على الفكر الهدَّام، وأي فكر يقود إلى قتل طفل هو فكر سقيم وعقيم وإنحطاطي وهدّام، والذي يضطر للدفاع عن نفسه، مرغمٌ على الردّ والدفاع عن النفس، لهذا الوطن بأمس الحاجة لحقن الدماء، ويحتاج الوطن إلى الحوار الوطني بين كافة مكوّنات المجتمع السوري سواء في الداخل أو الخارج ولكن تحت سقف الوطن، حتى ولو كان اللقاء داخل أو خارح الوطن، المهم بالنتيجة يكون بناء الوطن هو الهدف، انقاذ الوطن هو الهدف، ويجب توقيف كافة أعمال العنف والقتل والتفجير في كل أنحاء سورية والتخطيط لمستقبل سورية في التغيير والتطوير والاصلاح، وسن قوانين جديدة تناسب أبجديات القرن الحادي والعشرين، بعيداً عن لغة التحكم والاستبداد والتسلّط والقمع والارهاب والإقصاء، بحيث أن تصون القوانين المسنونة الجديدة حقوق المواطن في كافة مواقعه، وبحيث أن نضع الإنسان المناسب في المكان المناسب وبشكل ديمقراطي ودستوري وإنساني وحضاري، بعيداً عن لغة العنف والقتل والحرب والصراع الذي يؤدّي إلى خسائر فادحة لكل الأطراف، كي نحقّق للوطن والمواطن الحرية والعدالة والكرامة والأمان، وهذا ما أتوخّاه منكم ومنكَ أيُّها الإنسان!!!


ستوكهولم: 24. 12 . 2011
صبري يوسف
كاتب وشاعر سوري مقيم في ستوكهولم
[email protected]


نقلاً عن موقع الحوار المتمدِّن


بركة الرب معكم
أخوكم: ابن السريان


صورة

صورة العضو الشخصية
ابن السريان
مراقب عام
مراقب عام
مشاركات: 1881
اشترك في: الجمعة إبريل 16, 2010 7:22 pm

Re: حوار صبري يوسف مع الدكتور برهان غليون

مشاركة بواسطة ابن السريان » السبت ديسمبر 24, 2011 10:00 pm

تحيا سورية الأبية
أشكر السوري الأصيل لموضوعه الرائع
فمن يقلب على أفكاره يفلب عن كل شيئ
فمن يعير فكر سنوات لا أمل وأمان في قيادته
ربما الكثير كان معجباً بما ينشره السيد غليون كفكر
لكن بعد أنقلابه الخطير في كل ما ناشدى به عبر السنوات
وهاهو جاء بالدليل الدامغ من فمه تدينه
أشكره على رده الوطني وأضم صوتي لصوته
الحوار ثم الحوار هو الحل الوحيد لأجل سورية
كلنا لنوحد جهودنا في سبيل الأوطان
فما يفيد الأنسان إن فقدت الأوطان
له مني التحية والتقدير
والرحمة لكل شهداء الوطن

بركة الرب معكم
أخوكم: ابن السريان


صورة

أضف رد جديد

العودة إلى “التعارف ، المقابلا ت والحوار”