القديـس مـار سويريــوس الكبيـرالأنطاكي
تاج السريان
بطريرك أنطاكية السادس والثلاثون
( 459ـ 512 ـ 538+ )
مار سويريوس الكبير1.jpg
ولد في سوزوبليس من ولاية بيسيدية في حدود سنة 459 وكان جدّه لأبيه أحد أساقفة مجمع أفسس المسكوني (431) وقرأ النحو والبيان في الاسكندرية باليونانية واللاتينية. ثم درس علمي الفقه والفلسفة في مدرسة الفقه الروماني ببيروت فبرز في الفلسفة ونبغ في علم الشرائع، واعتمد في بيعة طرابلس سنة 488 ثم اختار لنفسه طريقة الزهد فترهب في دير مار رومانس في بلدة مايوما بفلسطين ورسمه الأسقف ابيفانيوس قسّاً. ثم انشأ ديراً وأقام أربعاً وعشرين سنة متعبداً لله متروضاً في فضائل النسك، منصبّاً على حرث كتاب الله ودرس تأليف اللاهوتين. واشتغل بالتصنيف نُصرة للمعتقد القويم فذاعت شهرته وبعد صوته وعام 508 رحل مع مئتي راهب إلى القسطنطينية في سبيل الدفاع عن المعتقد، ومكث فيها زهاء ثلاث سنوات حتى سنة 511 وبعد سنة وبعض شهور عُزل فليبانس الثاني بطريرك انطاكية فانتخب المترجم بالصوت الحي ليخلفه في الكرسي الرسولي، وسيم بطريركاً في انطاكية في سادس تشرين الثاني عام 512 ففتح ثم كنوز علمه، وانبرى يلقي الخطب الرنانة بياناً لحقائق الإيمان وتقويماً للأخلاق. ولم يجد إبان رئاسته عن سنن نسكه وزهادته. فأزال من القصر البطريركي أسباب الترف في المعيشة، وانصرف إلى إصلاح الأمور وتدبير الكنيسة متفقداً الأبرشيات والاديار المجاورة بنفسه وبرسائله الجليلة. وفي سنة 518 تولى يسطينس الأول الخلقيدوني المذهب خلفاً لانسطاس، فنفى جمهرة من أساقفتنا الأرثوذكسيين متنمراً لسويريوس فخرج في 25 أيلول إلى مصر حيث أقام زهاء عشرين سنة وهويدير البيعة بنوّابه ومراسلته ويحبّر الكتاب أثر الكتاب نقضاً للبدع ودحضاً للمضللين بهمة لا تعرف الملل ولا تتعثر بأذيال الكلل. مجيباً على مسائل السائلين معطياً الفتاوي السديدة في المشاكل الشرعية. وكان إذا غُمَّ عليه في المشكلات استضاء بمصابيح الكتاب واستعان بما اشترعته المجامع. وعام 535 رحل إلى العاصمة ملبياً طلب يسطنيان الأول سعياً إلى الإتحاد، فجذب انتيمس بطريرك القسطنطينية إلى حظيرته وظلت الشقة بعيدة بين الفريقين. فعاد إلى مصر ووافاه الأجل في بلدة سخا في ثامن شهر شباط عام 538 في أصح الروايات وعمره نحو من تسع وسبعين سنة، وأوقفت المنون في يمينه براعة كانت تدبّج الروائع وتصور البدائع. فكّلل باسم ملفان البيعة الجامعة الكبير، وجعل عيده يوم وفاته – وأفاض أربعة كتّاب بلغاء في تدوين سيرته بصفحات مطولة خالده، وهم: زكريا المنطيق ويوحنا رئيس دير ابن افتونيا واثناسيوس الأول بطريرك انطاكية وكاتب مغمور.
فبعد الوقوف على أعمال هذا الحبر العظيم وإحاطته بأصول العلوم وفروعها التي تشهد له بأنه لم يكن أوحد عصره وحسب، بل منقطع القرين بعلمه في البطاركة الانطاكيين من سبقه ومن لحقه على الإطلاق، ليحكم القارئ الحصيف منصفاً على خصومه المغرضين الذين هان عندهم فضله، لتحكيمهم الهوى في نفوسهم، حتى اضطروا يسطينان فامر بإحراق مؤلفاته وتشديد العقاب على من ينسخها أويحرزها. فضاعت باليونانية إلا نتفاً لا بال لها، وحفظت بترجمتها السريانية بفضل علمائنا. وها هي كلما عاينت نور الطباعة جاءت بدليل جديد فاصل على فضل مؤلفها ومتانة حججه القواطع، وحولت أنظار العلماء من الإمتهان التقليدي له إلى التعجب والإعتبار وبعض الإنصاف. قال غوستاف باردي ما خلاصته: “أن سويريوس يماثل في نشاطه وبعد همته اثناسيوس (الرسولي) من وجوه عدة. لقد قاومه كتّاب أصحاب قرائح متوقدة من سائر الأحزاب فرّد عليهم ونقضهم. وقد اتضح لنا مما نشر بالطبع حتى اليوم (سنة 1928) من مصنفاته أنه أحد الرجال المتجملين باسمى المواهب ومن أصدقهم عزماً، في عصر كدّر صفاءه كثير من المعرّات والمهانات”
بركة صلواته وشفاعته تكون معنا. ولربنا المجد دائماً وأبداً، آمين.
---------------------
المصدر : اللؤلؤ المنثور – المثلث الرحمات مار اغناطيوس أفرام الأول برصوم نفعنا الرب بصلواته.