واستند التقرير العلمي الصادر عن المعهد إلى تحليل دقيق لعينات دم تاريخية تعود إلى عام 1994، حيث أظهرت النتائج استجابة مناعية استثنائية استمرت فعاليتها لعقود، مما يغير المفاهيم السائدة حول محدودية تأثير اللقاحات الموسمية واقتصارها على الفترة الزمنية القصيرة التي تلي عملية التطعيم مباشرة.
اعتمد الباحثون في دراستهم على تتبع مسارات تفاعل الأجسام المضادة وخلايا الذاكرة المناعية مع سلالات فيروسية ظهرت في فترات لاحقة، مثل سلالة H1N1 والسلالة B، وذلك عبر فترة زمنية ممتدة لنحو ثلاثين عاماً. وأثبتت التحاليل المخبرية أن اللقاح نجح في تدريب الجهاز المناعي البشري على التعرف على أجزاء ثابتة وهيكلية من الفايروس لا تتعرض للتغيير أو التحور الكبير بمرور الوقت، وهو ما سمح لخلايا B الذاكرية بالاحتفاظ بالمعلومات الوراثية للفيروس والاستجابة الفورية عند التعرض لسلالات جديدة ومطورة من ذات الفصيلة بعد عشرات السنين.
أظهرت النتائج في الوقت ذاته وجود ثغرات في النظام الدفاعي للجهاز المناعي، حيث فشلت الخلايا الذاكرية في التعرف على سلالات H3N2 التي تتميز بقدرة فائقة على التحور السريع.
ويبرز هذا الإخفاق المناعي التحدي المستمر الذي يواجهه العلماء في مواجهة الفيروسات التي تغير غلافها البروتيني باستمرار للهروب من الأجسام المضادة المكتسبة، مما يفسر سبب بقاء خطر الإصابة قائما رغم تلقي اللقاحات، ويؤكد أن الفهم العميق لآليات التحور الفيروسي يظل مفتاحا أساسيا لتطوير استراتيجيات وقائية أكثر شمولية في المستقبل القريب.
كشفت الدراسة عن تباين ملحوظ في قوة ونطاق الاستجابة المناعية بين الفئات العمرية المختلفة، حيث أظهر كبار السن في الفئة العمرية ما بين 60 و75 عاماً استجابة مناعية أوسع وأكثر تنوعا. ويعزو العلماء هذا التفوق المناعي إلى الخبرة التراكمية الناتجة عن التعرض المتكرر للفايروس واللقاحات على مدار حياتهم، بينما أظهر الشباب استجابة قوية ولكنها أقل شمولا، مما يشير إلى أن "الذاكرة المناعية" تبنى وتتوسع مع كل مواجهة جديدة مع الفايروس، لتشكل طبقة حماية مزدوجة تجمع بين الحماية الفورية والتحصين المستقبلي.
تشير المعطيات العلمية المستخلصة إلى أن لقاح الإنفلونزا يعد استثمارا صحيا بعيد المدى، لكنه لا يغني بأي حال من الأحوال عن التطعيم السنوي الضروري لمواكبة التطور الفيروسي المتسارع.
وتؤكد الدراسة أن التحديث الدوري للقاح يظل الركيزة الأساسية للحماية من السلالات الهروبية مثل H3N2، مع التشديد على أن هذه النتائج المبنية على بيانات تاريخية تظهر ارتباطاً قوياً بين اللقاح والمناعة طويلة الأمد، مما يعزز الثقة في برامج التطعيم الوطنية كأداة فعالة لبناء حائط صد مناعي يمتد لأجيال ويقلل من مخاطر الأوبئة المستقبلية.

